عام

الكلاب

تعثّرت بالجذور والحجارة،
ازداد النباح قربًا.
وصلت إلى جدول ماء.
كان باردًا وسريع الجريان.
كانت روث قد أخبرتها أن الماء يمكنه إخفاء الرائحة.
فقفزت أميليا فيه…
…فقفزت أميليا في الجدول دون تردّد.

انغمر جسدها الصغير في الماء حتى صدرها، فشهقت من شدّة البرد، لكنّها تابعت السير عكس التيار، خطوةً خطوة، كما كانت روث تهمس لها قديمًا:
«امشي ضدّ الماء… دعِ الكلاب تظنّ أنكِ اختفيتِ».

سارت قرابة ساعة، قدماها تنزفان، أسنانها تصطكّ، ويداها ترتجفان كأغصانٍ في عاصفة.
ثم خرجت من الجدول عند منعطفٍ صخري، وتسلّقت الضفّة بصعوبة، ودخلت منطقة كثيفة من القصب والأشجار المتشابكة.

هناك…

لم يكن دراميًا، بل  جسدٍ أنهكه الخوف والبرد والجوع.
زحفت قليلًا، ثم دفنت وجهها في الطين، وهمست لنفسها:
«يا رب… بس مش دلوقتي».

عندما وصلت الكلاب إلى الجدول، توقّف النباح فجأة.

دار بروتوس حول نفسه، أنفه يلامس الماء.
قفز قيصر داخل الجدول، ثم خرج بعد أمتار.
أما نيرو، فتجمّد في مكانه، يزمجر بخفوت، كأن شيئًا ما أربكه.

تبعوا الأثر لساعات.
الماء… ثم لا شيء.
لا رائحة.
لا اتجاه.

كان هذا مستحيلًا.

لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر استحالة.

عند الفجر، وبينما كانت الشمس تحاول اختراق الضباب، توقّفت الكلاب جميعًا في آنٍ واحد.
لم تنبح.
لم
بل جلست.

أمامهم، بين القصب، كانت تقف امرأة.

امرأة سوداء، طويلة القامة، شعرها أبيض كالقمر، وظهرها مستقيم على غير عادة كبار السن.
كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، وتحمل عصا من خشب السرو.

رفعت المرأة يدها…
فتراجعت الكلاب خطوة.

ثم خطوتين.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى