عام

الكلاب

أطلقوا ثلاثة كلاب روتفايلر لتعقّب فتاةٍ مستعبدة… وبعد 8 ساعات حدث ما لم يتوقّعه أحد – 1891
ميسيسيبي، عام 1891.
أُطلق ثلاثة كلاب من فصيلة الروتفايلر في ظلمة الليل لتعقّب فتاةٍ مستعبدة تبلغ من العمر اثني عشر عامًا تُدعى أميليا. كانت تلك الكلاب مُدرَّبة على المطاردة حتى النهاية، ولم تفشل يومًا في مهمتها. توقّع صاحب المزرعة أن تعود خلال ساعة، أو ساعتين على الأكثر، وهي تجرّ ما تبقّى من جسد الطفلة.
لكن ثماني ساعات مرّت… ثم عادت الكلاب.

وما الذي أعادتْه معها جعل حتى أقسى الرجال في تلك المزرعة يتراجعون إلى الخلف في ذهول.
ما حدث خلال تلك الساعات الثماني كشف سرًّا مدمّرًا إلى درجة أنه هزّ الأسس التي بنوا عليها كل ما ظنّوا أنهم يعرفونه.
وقد بدأ كل ذلك بفتاةٍ لم يكن من المفترض أن توجد أصلًا.
وُلدت أميليا عام 1879.
أي بعد أربعة عشر عامًا من انتهاء العبودية رسميًا في الولايات المتحدة.
لكن في مزرعة «ثورنهيل» النائية في ريف ميسيسيبي، لم يُخبر أحدُ المستعبدين بأن الحرية قد جاءت.
كانت المزرعة غارقة في أعماق الغابات والمستنقعات، على بُعد أميال من أقرب بلدة.
أُغلق الطريق إليها عمدًا، وكان أقرب شريف يتقاضى المال ليغضّ الطرف.

لم يكن البريد يصل.
ولم يأتِ زوّار قط.
الأشخاص الثلاثة والأربعون الذين عاشوا وماتوا على تلك الأرض كانوا يعتقدون أنهم ما زالوا ملكًا لغيرهم.
كانوا يؤمنون أن الهرب يعني الموت.
وكانوا يؤمنون بذلك لأن هذا ما قيل لهم كل يوم، دون استثناء.
توفّيت أم أميليا أثناء ولادتها.
أما والدها فقد بيع قبل أن تتمكّن من المشي.
ربّتها امرأةٌ مسنّة تُدعى «روث»، كانت تهمس لها ليلًا بحكايات عن عالمٍ آخر… عالمٍ يقع خلف الأشجار.
أخبرتها روث عن حربٍ يُفترض أنها حرّرتهم جميعًا.
لكنها حذّرتها أيضًا من التلفّظ بتلك الكلمات علنًا، لأن توماس ثورنهيل، مالك المزرعة، كان يتخلّص من الناس لأسبابٍ أقل من ذلك.
كانت أميليا تعمل في البيت الرئيسي.
تنظّف الأرضيات.
تحمل الماء.
تقدّم الطعام، بينما يُقال لها إنها محظوظة لأنها تأكل بقايا الطعام.

تعلّمت كيف تجعل نفسها غير مرئية.
لكن في داخلها كان هناك شيءٌ يتّقد.
سؤالٌ زرعته روث في ذهنها منذ سنوات:
إن كنّا أحرارًا… فلماذا ما زلنا هنا؟
في ليلة الرابع عشر من أكتوبر عام 1891، اتخذت أميليا قرارًا غيّر كل شيء.
قرّرت أن تهرب.
خرجت بعد منتصف الليل بقليل.
لم تأخذ معها شيئًا.
لا طعام، لا غطاء، لا حذاء.
كانت ترتدي فستان القطن الرقيق الذي تعمل به، ولا شيء غيره.
كان القمر شريطًا باهتًا في السماء، والظلام كثيفًا إلى درجة أنها لم تكن ترى يديها أمام وجهها.
ومع ذلك، ركضت.

ركضت لأن البقاء يعني  البطيء،
أما الهرب فيعني محتملًا… لكنه  اختارته بنفسها.
اتجهت شرقًا.
كانت روث قد أخبرتها ذات مرة أن الشرق يقود إلى النهر،
وأن النهر يقود إلى بلداتٍ يعيش فيها السود أحرارًا.
قالت إن الطريق يستغرق يومين سيرًا على الأقدام لمن يعرفه.
أميليا لم تكن تعرف الطريق… لكنها ركضت.
في الخلف، داخل المزرعة، استيقظت إحدى النساء لقضاء حاجتها.
لاحظت أن فراش أميليا كان فارغًا.
فتّشت البيت الرئيسي.
ثم المطبخ.
ثم فعلت ما يمليه الخوف.
أيقظت المشرف.
كان اسمه سايروس غان.

رجلٌ يبتسم حين يؤذي الآخرين.
أشرف على المزرعة تسع سنوات،
وأمسك بعددٍ من الهاربين من قبل…
وكان يستمتع بذلك.
توجّه سايروس ببطء إلى حظيرة الكلاب.
وقفت خلف البوابة الحديدية ثلاثة كلاب روتفايلر:
بروتوس، قيصر، ونيرو

.
كان وزن كل واحد منها يتجاوز مئة رطل.
درّبت منذ صغرها على التتبّع وا
وكان سايروس يطعمها اللحم النيّئ ويبقيها جائعة.
أحضر بطانية أميليا من فراشها.
شمّت الكلاب الرائحة.
وتعلّقت أعينها بالأثر.
فتح سايروس البوابة وقال:
«اعثروا عليها».
اندفعت الكلاب إلى الظلام.
سمعتهم أميليا.

كانت قد قطعت نحو ميل داخل الغابة عندما بدأ النباح.
بعيدًا في البداية…
ثم أقرب…
ثم قريبًا إلى حد أنها سمعت وقع أقدامهم على الأرض.
ركضت أسرع.
مزّقت الأغصان وجهها وذراعيها.
شقّت الأشواك قدميها.
لم تكن ترى طريقها،

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى