روايات

بقعة حمراء

**أسرعتُ به إلى قسم الطوارئ لكن الطبيب قال فورًا: اتصلي بالشرطة!**صرخ الطبيب قائلًا:
**”اتصلوا بالشرطة فورًا!”**

تجمّدتُ في مكاني. كيف يمكن لبضع بقع حمراء على ظهر زوجي أن تُثير ردّة فعل كهذه من طبيب؟

اسمي زهراء الكاظمي، وأنا متزوجة من زوجي علي منذ ثماني سنوات.

لم نكن نملك ثروة كبيرة، لكن منزلنا الصغير في أحد أحياء بغداد الهادئة كان دائمًا مليئًا بالضحك ودفء حقيقي.

علي رجل هادئ ومتحفظ بطبعه. يعود من عمله، يحمل ابنتنا بين ذراعيه، ويقبّلني برفق على جبيني، دون أن يتذمر يومًا.

لكن قبل بضعة أشهر، بدأت ألاحظ أن شيئًا ما ليس على ما يرام.

كان يبدو مرهقًا باستمرار، وظهره لا يتوقف عن الحكة. كان يخدش نفسه بلا وعي، حتى أصبحت قمصانه مليئة بوبر خفيف وآثار باهتة.

في البداية، لم أظن الأمر خطيرًا، ربما لدغات حشرات، أو تحسس بسيط من مسحوق غسيل جديد. لم أقلق كثيرًا.

لكن في صباح أحد الأيام، بينما كان لا يزال نائمًا، رفعت قميصه لأضع له بعض الكريم المهدئ، فتجمدت في مكاني، وانحبس نفسي في صدري.

كانت هناك نتوءات حمراء صغيرة متناثرة على كامل ظهره.

في البداية لم تكن سوى بضع نتوءات، لكن مع مرور الأيام تكاثرت حتى أصبحت بالعشرات، وشكلت تجمعات متناظرة بشكل غريب.

بدت وكأنها بيض حشرات مغروس تحت جلده.

بدأ قلبي يخفق بعنف، وشعرت في أعماقي أن هناك أمرًا خطيرًا يحدث.

هززته بذعر وصرخت:

“علي، استيقظ! يجب أن نذهب إلى المستشفى فورًا. هذا ليس طبيعيًا!”

فتح عينيه بصعوبة، وقال بنعاس محاولًا طمأنتي:

“اهدئي يا زهراء، مجرد طفح جلدي، وسيزول من تلقاء نفسه.”

لكنني رفضت الاستماع.

كانت يداي ترتجفان، وقلت بحزم:

“لا، لم أر شيئًا كهذا من قبل. أرجوك، سنذهب الآن.”

توجهنا مسرعين إلى قسم الطوارئ في مستشفى قريب.

وعندما فحص الطبيب المناوب علي، وما إن رفع قميصه، تغيّرت ملامح وجهه على الفور.

اختفى هدوؤه، وتحوّل إلى توتر واضح.

ثم التفت فجأة إلى الممرضة وقال بصوت عاجل:

“اتصلوا بالشرطة فورًا.”

تجمد الدم في عروقي.

سألته بصوت متقطع:

“لماذا الشرطة؟ إنه مجرد طفح جلدي أليس كذلك؟ أرجوك أخبرني!”

لكنه لم يجب فورًا.

بعد لحظات، دخل اثنان من الطاقم الطبي بسرعة، وقاما بتغطية ظهر علي بملاءات معقمة، وبدآ يطرحان أسئلة سريعة ودقيقة:

* هل تعرض لأي مواد كيميائية مؤخرًا؟
* ما طبيعة عمله تحديدًا؟ وأين يعمل حاليًا؟
* هل ظهرت أعراض مشابهة على أي فرد آخر في المنزل؟

ارتجف صوتي وأنا أجيب:

“إنه يعمل في مجال البناء في موقع جديد منذ عدة أشهر. كنا نظن أنه مرهق فقط.”

بعد نحو خمس عشرة دقيقة، وصل شرطيان.

ساد صمت ثقيل في الغرفة، ولم يقطعه سوى صوت الأجهزة الطبية.

ضعفت ساقاي، وجلست على الكرسي.

لماذا الشرطة هنا؟ كيف تحول الأمر من مشكلة طبية إلى تحقيق؟

بعد ما بدا وكأنه دهر، عاد الطبيب.

كان صوته أكثر هدوءًا هذه المرة، لكنه حازم بشكل لا يحتمل الشك.

قال لي بلطف:

“سيدتي زهراء، أرجو أن تبقي هادئة. هذه ليست حالة جلدية طبيعية.”

ثم أضاف:

“هذه العلامات لا تبدو ناتجة عن سبب بيولوجي. لدينا سبب قوي للاعتقاد أن زوجك قد تعرض لمادة ضارة بشكل متعمد.”

شعرت بخدر يسري في جسدي كله.

همست بصعوبة:

“متعمد؟ تقصد أن أحدًا فعل هذا به؟”

أومأ برأسه بجدية.

“نشتبه في أنه تم وضع مادة كيميائية شديدة التهيج مباشرة على الجلد، مما تسبب في هذا التفاعل المتأخر والخطير.”

ثم قال بنبرة أكثر جدية:

“لقد أحضرته في الوقت المناسب. لو تأخرتم أكثر، لكان الضرر قد أصبح لا رجعة فيه.”

انهمرت الدموع على وجهي.

قلت بصوت مكسور:

“لكن من قد يفعل هذا؟ ولماذا؟”

بدأت الشرطة تحقيقها فورًا، وسألوا عن زملائه في العمل، ومهامه الأخيرة، وروتينه اليومي.

أرادوا معرفة من يمكنه الوصول إليه بسهولة.

وفجأة تذكرت.

كان علي يعود متأخرًا في الأسابيع الأخيرة، ويقول إنه يبقى لتنظيف موقع العمل.

وفي إحدى المرات لاحظت رائحة كيميائية قوية على ملابسه.

تجاهلت الأمر حينها.

لكن عندما ذكرت هذه التفاصيل للمحققين، تبادل أحد الضباط نظرة جادة مع الآخر.

قال المحقق بصوت منخفض وثابت:

“هذا هو الأمر. لم يكن ما حدث حادثًا عشوائيًا، بل عملًا مخططًا وموجهًا ضد زوجك.”
ثم أضاف:

“من المرجح أن أحدهم وضع مادة كيميائية حارقة على جلده، إما بشكل مباشر، أو عبر ملابس العمل الاحتياطية. هذه حالة اعتداء واضحة.”

خارت قواي، واضطررت إلى التمسك بالكرسي كي أبقى واقفة.

كنت أرتجف بين الخوف والغضب، وأتخيل ما عاناه علي بصمت.

بعد عدة أيام من العلاج المكثف استقرت حالته أخيرًا، وبدأت الآفات الحمراء تتلاشى تدريجيًا، تاركةً خلفها ندوبًا باهتة.

وعندما تمكن أخيرًا من التحدث دون ألم، أمسك بيدي بقوة.

كانت عيناه تفيضان بندم عميق، وهمس بصوت خافت:

“أنا آسف لأنني لم أخبركِ من قبل. كان هناك رجل في الموقع يضايقني.”

توقف لحظة، ثم أكمل:

“كان يضغط عليّ لأوقع فواتير مزورة لمواد لم يتم تسليمها. رفضت، فبدأ يهددني.”

خفض نظره وقال:

“لم أتوقع أبدًا أنه سيصل إلى هذا الحد.”

انكسر قلبي وأنا أستمع إليه.

زوجي الصادق والهادئ كاد أن يُدمر فقط لأنه رفض الفساد.

أكدت الشرطة لاحقًا صحة جميع تفاصيل روايته، وتم التعرف على المشتبه به الرئيسي، مقاول فرعي يُدعى رائد داود.

تبين أنه وضع المادة الكيميائية المهيجة داخل قميص العمل الاحتياطي الخاص بعلي، أثناء تغييره لملابسه في موقع البناء.

كان يريد أن يلقنه درسًا بسبب رفضه التعاون.

تم القبض عليه، وبدأت شركة المقاولات تحقيقًا داخليًا شاملًا.

عندما سمعت خبر اعتقاله شعرت بمزيج من الارتياح والغضب لم أستطع التعبير عنه.

كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه القسوة من أجل أموال مسروقة وفواتير مزورة؟

منذ ذلك اليوم لم أعد أعتبر أي شيء أمرًا مفروغًا منه.

لم أدع لحظة واحدة تمر مع عائلتي دون أن أقدرها.

كنت أظن أن الأمان يعني إغلاق الأبواب ليلًا، وتجنب الغرباء.

لكنني تعلمت أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج.

أحيانًا يختبئ خلف وجوه مألوفة.

وأحيانًا يأتي من أشخاص من المفترض أن تثق بهم.

حتى الآن، كلما تذكرت تلك اللحظة في المستشفى، حين صرخ الطبيب:

“اتصلوا بالشرطة!”

أشعر بالقشعريرة.

لكنني أعلم أن تلك الصرخة أنقذت حياته.

كثيرًا ما يلمس علي الندوب الخفيفة على ظهره الآن، ويقول بهدوء:

“إنها تذكير بأنني اخترت الصواب، وبأنني ما زلت حيًا.”

ثم يضيف بابتسامة خافتة:

“ما زلنا معًا، وهذا يكفي.”

أمسك بيده، وأبتسم رغم دموعي.

أعلم أنه محق.

لقد نجونا معًا.

لأن الحب الحقيقي لا يُختبر في الرخاء، بل يظهر في العاصفة حين يرفض كل منا التخلي عن الآخر.

لكن الحقيقة أن ما حدث لم يبدأ في المستشفى.

لفهم ما مر به علي، يجب العودة إلى الأسابيع التي سبقت الحادثة.

أيام لم تلمس فيها المادة السامة جلده بعد، لكن الخوف كان قد بدأ ينهش داخله.

كان علي رجل مبادئ، بنّاءً يؤمن بأن كل لبنة يجب أن توضع بأمانة.

لكن مواقع البناء ليست دائمًا أماكن للنزاهة.

لم يكن رائد داود مجرد مشرف، بل كان ظلًا ثقيلًا يخيم على الموقع منذ وصول علي.

في البداية، كان الأمر خفيًا.

تعليقات عابرة، وإيماءات ودودة أكثر من اللازم، وأسئلة استقصائية حول وضعنا المالي.

كان رائد يعلم أن لدينا فواتير يجب دفعها، وابنة صغيرة يجب تربيتها.

وكان يعتقد أن الضغط المالي سيجعل علي شريكًا سهلًا في مخططه.

السابق1 من 2
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى