روايات

أمي بفلوس الجيران

بلعت ريقي.
وقلت
وسامح؟
سامح كان عارف؟
تنهد المحامي وهو بيقعد قدامي.
وقال
مش من الأول.
الحقيقة إنه بدأ يعرف من فترة قريبة.
في حد من عيلة المنشاوي وصله.
حسيت إن قلبي اتقبض.
لأن فجأة كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها.
استعجاله على بيع البيت.
أسئلته الكتير.
اهتمامه المفاجئ.
وإصراره إنه يدخل البيت بعد وفاة أمي مباشرة.
كأنه كان بيدور على حاجة معينة.
مش على ورث.
ولا على البيت.
على حاجة أكبر.
المحامي مد إيده ناحية أحد الأدراج.
وطلع ملف كبير.
أكبر من كل الملفات اللي شفتها من ساعة ما فتحت الصندوق.
ملف تخين ومتقسم بأوراق ومستندات كتير.
وحطه قدامي على المكتب.
وقال
ده آخر ملف سابته والدتك.
فتحت الملف ببطء.
أما هو فكمل كلامه
دي الوصية الرسمية.
وصية مريم المنشاوي… المعروفة عند الناس باسم فاطمة عبدالعال.
الوصية متوثقة بالكامل.
ومتسجلة قانونيًا.
وفيها كل التعليمات اللي كانت عايزة تتنفذ بعد وفاتها.
والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن إيدي بدأت ترتعش.
لأن كل مرة كنت بفتح فيها ورقة جديدة كنت باكتشف إن حياتي كلها كانت مختلفة عن اللي كنت فاكراه.
بصيت لأول صفحة.
وكانت الكلمات واضحة قدام عيني.
واضحة لدرجة خوفتني.
لأن أول اسم شوفته كان اسمي أنا.
اسمي مكتوب في أول السطر.
بخط كبير ورسمي.
وقفت عيني على الكلمات وأنا مش قادرة أتنفس.
هناء عبدالعال…
كملت قراية.
ومع كل كلمة كان قلبي بيدق أسرع.
الابنة الشرعية والوحيدة المعترف بها للسيدة مريم المنشاوي…
شهقت من غير ما أحس.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر اللي بعده.
السطر اللي خلاني أرفع عيني للمحامي وأنا مش مصدقة اللي بقراه.
لأن الورقة كانت بتقول إن كل ممتلكات أمي…
وكل حساباتها وكل حقوقها آلت بالكامل ليا أنا وحدي.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
الكلمات اللي كانت مكتوبة قدامي كانت كبيرة جدًا على إني أستوعبها مرة واحدة.
ورغم إني من ساعات بس اكتشفت إن أمي كانت مخبية ملايين، وإن حياتها كلها كانت سر، وإن سامح مش أخويا الحقيقي، إلا إن أول حاجة خرجت من بقي كانت
أنا مش عايزة فلوسهم. قولتها من قلبي. بكل صدق.
لأن الفلوس دي فجأة حسيتها تقيلة.
تقيلة بالوجع. تقيلة بالسنين
اللي أمي عاشتها وهي مستخبية.
تقيلة بالخوف اللي أكل عمرها كله رفعت عيني ناحية الأستاذ شريف.
فلقيته بيبصلي بنظرة حزينة كأنه سمع الجملة دي قبل كده.
كأنه كان متوقعها.
وهز راسه بهدوء وقال
أمك كانت عارفة إنك هتقولي كده وبعدين فتح درج جانبي في مكتبه.
وطلع ظرف صغير قديم شوية وعليه اسمي بخط أمي.
أول ما شفت الخط حسيت إن قلبي وجعني.
لأن فجأة افتكرت كل الورق الصغير اللي كانت تسيبهولي.
وافتكرت ملاحظاتها.
وافتكرت روشتات الدوا اللي كانت بتكتب عليها طلبات البيت.
وافتكرت إيديها.
مسكت الظرف بإيدين مبلولين من المطر ومن التوتر.
وفتحته ببطء وكانت الرسالة قصيرة.
لكن كل كلمة فيها دخلت جوا قلبي مباشرة.
يا بنتي…
إوعي ترفضي الحاجة اللي دفعت عمري كله تمن إني أحافظ عليها.
مش علشان تعيشي زيهم ومش علشان تبقي واحدة منهم.
لكن علشان عمرك ما تمدي إيدك لحد تاني طول عمرك.
وعلشان تعرفي إننا ماكناش فقراء لأن ربنا أراد كده.
إحنا كنا فقراء لأنني فضلت الجوع على إني أسمح لهم يشتروا روحك.
والله العظيم ما قدرتش أكمل القراية من غير ما دموعي تنزل.
قعدت أبكي.
هناك في مكتب المحامي.
بهدومي المبلولة من المطر وجزمتي اللي لسه عليها طين الشارع.
وبوش متغرق دموع من وجع الفراق ومن كلام أمي اللي كانت بتكلمني من بعد موتها.
كل مرة كنت فاكرة إني فهمت سبب من أسباب اللي عملته.
كانت تسيبلي سبب أكبر.
وأوجع وأقسى.
سيبت الرسالة على المكتب وحاولت أمسح دموعي.
لكن الأستاذ شريف فضل ساكت.
سايبني أعيط.
كأنه عارف إن في دموع متأخرة بقالها سنين.
ولما هديت شوية سمعته بيقول بهدوء
لسه في حاجة تانية.
ضحكت ضحكة صغيرة طالعة من قلب موجوع.
لأن من ساعة ما لقيت الصندوق وكل ما أسمع الجملة دي ألاقي مصيبة جديدة مستنياني.
لسه في حاجة تانية. دايمًا في حاجة تانية. رفع الأستاذ شريف عينيه ناحيتي وأخد نفس طويل.
النفس اللي الواحد بياخده قبل ما يقول خبر هيقلب الدنيا.
وبعدين قال
العيلة ماكنتش بتدفع علشان تسكت أمك وبس.
استقمت في قعدتي من غير ما أحس.
فكمل
أمك كان ليها حق قانوني في جزء من أسهم شركات العيلة.
حقيقتها ماكنتش مجرد بنت هربت من أهلها. هي كانت وريثة.
ولها نصيب رسمي موثق بالقانون.
حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع. أما هو ففتح ملف قدامه وكمل
وجدك توفى من سنتين وفي النسخة الأصلية من الوصية كانت والدتك موجودة ضمن الورثة.
اتسعت عيني.
لكن الأستاذ شريف ما وقفش وقال الجملة اللي خلت الدنيا تسود قدامي للحظة.
قال
لكن العيلة قدمت أوراق رسمية للمحكمة بتقول إن مريم المنشاوي متوفية من سنة ١٩٩١.
فضلت باصة له مش مستوعبة.
مش فاهمة. مش مصدقة.. وقلت بصوت خارج بالعافية إيه؟.إزاي؟
رفع عينيه من الملف وقال بهدوء موجع أعلنوا وفاتها رسميًا…
علشان يقدروا يقسموا التركة كلها من غير ما تاخد حقها.
والله العظيم حسيت إن جسمي كله برد فجأة، كأن حد سحب الدم من عروقي مرة واحدة، وأنا قاعدة قدام الأستاذ شريف أحاول أفهم حجم الكارثة اللي كانت أمي عايشاها طول السنين دي كلها من غير ما حد يحس بيها.
لأن الموضوع ما بقاش مجرد ورث.
ولا مجرد ملايين مستخبية.
ولا حتى مجرد اسم متغير.
الموضوع بقى أكبر من كده بكتير.
أمي كانت عايشة.
عايشة بكل التعب اللي شوفته في عينيها.
عايشة وهي بتنزل السوق تشيل وتبيع وتقف بالساعات على رجليها.
عايشة وهي بتعد ثمن الدوا قبل ما تشتريه.
عايشة وهي تخاف من بكرة ومن المرض ومن الفقر.
وفي نفس الوقت، على أوراق قانونية رسمية ومتختومة، كانت عيلتها دفناها وهي لسه بتتنفس.
دفنوها بالقلم.

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى