روايات

أمي بفلوس الجيران

أمي مش أمي اللي أعرفها.
أبويا ما سابناش بمزاجه.
وفي ملايين الجنيهات مستخبية فوق سقف بيت عشنا فيه عمر كامل بنعد فيه ثمن رغيف العيش قبل ما نشتريه.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتخليني أحس إن حياتي القديمة بتبعد عني أكتر.
ولما وصلت موقف الأتوبيس، ركبت أول أتوبيس رايح ناحية وسط البلد من غير ما أفكر.
قعدت جنب الشباك وأنا بحاول أستوعب اللي بيحصل.
ريحة المطر كانت مالية المكان.
ومتداخلة مع ريحة عرق الناس بعد يوم طويل.
ومع ريحة مخبوزات طالعة من كيس كانت ست كبيرة حاضناه في حضنها.
فضلت باصة من الشباك طول الطريق.
أشوف الشوارع وهي بتجري.
والمحلات.
والناس اللي ماشية تحت المطر.
وبرك الميه اللي مالية الأرض.
وأعمدة النور اللي انعكاسها بيتكسر فوق الميه.
وكل ما أبص حواليّا أحس بغصة أكبر.
لأن العالم كله كان ماشي عادي.
الناس رايحة شغلها.
والبياعين بينادوا على بضاعتهم.
والعربيات بتزمر.
وكأن مافيش بنت قاعدة جوه الأتوبيس لسه مكتشفة من أقل من ساعة إن حياتها كلها كانت كدبة كبيرة.
لما وصلت أخيرًا كنت مبلولة من رأسي لحد رجلي.
هدومي لازقة في جسمي من المطر.
وشعري متبهدل.
ورجلي لسه بتوجعني من الخدش اللي أخدته وأنا بعدي السور.
لكن وقتها ماكنتش حاسة بأي حاجة من ده.
لأن الخوف كان أكبر.
والأسئلة كانت أكتر.
وقفت قدام المبنى اللي الممرضة قالتلي عليه.
وكان مبنى قديم له هيبة غريبة.
مبني بالطوب الأحمر.
وفيه شرفات حديد قديمة.
وبجانب الباب كانت فيه لافتة نحاس لامعة مثبتة على الحيطة.
وقفت أبص لها ثواني طويلة.
وحسيت إن الخطوة اللي هخطيها دلوقتي ممكن تغيّر حياتي كلها.
لأن من ساعة ما فتحت الصندوق وأنا كل دقيقة بكتشف حقيقة جديدة.
وكل حقيقة كانت أخطر من اللي قبلها.
أخدت نفس طويل.
ودخلت.
أول ما دخلت رفعت موظفة الاستقبال عينيها من على المكتب وبصتلي من فوق لتحت.
وكان واضح إنها شافت شكل هدومي المبلولة.
وشافت الإرهاق اللي مالي وشي.
وشافت عينيّا اللي باين عليهم إني ما نمتش ولا ارتحت من أيام.
وقالت بهدوء
عندك ميعاد؟
وقفت قدامها ثواني.
وحسيت إن الكلمات نفسها صعبة تطلع من بقي.
لكن في الآخر قلت
أنا هناء.
بنت فاطمة عبدالعال…
أو
يمكن بنت مريم المنشاوي.
والله العظيم أول ما نطقت الاسم التاني لقيت ملامحها اتغيرت بالكامل.
اختفى البرود من وشها فجأة.
وقامت من مكانها بسرعة من غير ما تسألني أي سؤال.
ولا طلبت بطاقة.
ولا حتى استفسرت أنا مين.
كأن الاسم لوحده كان كفاية.
اختفت جوه المكتب.
وسابتني واقفة لوحدي.
فضلت أبص حواليّا وأنا حاسة إن دقات قلبي بقت أعلى من أي صوت حواليا.
كل ثانية كانت بتعد كانت بتزود توتري.
لحد ما بعد دقيقتين تقريبًا شفت باب داخلي بيتفتح.
وخرج منه راجل كبير في السن.
كان لابس بدلة رمادي أنيقة.
وماسك عصاية في إيده.
وخطواته بطيئة شوية.
أما عينيه فكان فيهم تعب سنين طويلة.
لكن أول ما شافني وقف.
وقف وبصلي بطريقة خلت القشعريرة تمشي في جسمي كله.
لأنه ما بصليش كأنني زبونة جاية تسأل عن قضية.
ولا كأنني بنت غريبة داخلة المكتب لأول مرة.
بصلي كأنه يعرفني.
كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
كأنه شاف ملامحي قبل كده مئات المرات.
ولما قرب أكتر نطق اسمي بهدوء غريب
هناء.
اتجمدت مكاني.
لأنه ما

سألنيش أنا مين.
وما طلبش أعرّف نفسي.
وما بصش حتى للموظفة عشان يتأكد.
عرفني من أول نظرة.
وكأن أمي كانت محضراه لليوم ده من زمان.
وبعدين أشار بعصايته ناحية مكتبه وقال بصوت هادي لكنه مليان معنى
اتفضلي يا بنتي. أنا مستنيكي من سنين.
دخلت وراه المكتب وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من كتر اللي سمعته وعرفته في الساعات الأخيرة، وأول ما عديت الباب حسيت إني دخلت عالم مختلف تمامًا عن البيت القديم اللي كنت قاعدة فيه من شوية.
ريحة الخشب القديم كانت مالية المكان.
ريحة قهوة متخمرة من وقت قريب.
وريحة ورق وملفات متخزنة بقالها سنين طويلة.
على الحيطة كانت معلقة صورة قديمة للمدينة من زمن فات، وبجوارها برواز كبير باين عليه إنه قديم وغالي، وكل حاجة في المكتب كانت بتقول إن المكان ده شايل أسرار أكتر مما شايل أوراق.
قفل المحامي الباب بنفسه.
وبعدين لف ناحيتي.
أما أنا فكنت حاسة إن ركبي بتترعش بشكل مخيف.
لدرجة إني قعدت على أول كرسي شوفته قبل حتى ما يطلب مني أقعد.
فضلت باصة له ثواني طويلة.
وبعدين خرج السؤال من بقي غصب عني.
قلت
ليه؟
ليه أمي ما قالتليش أي حاجة؟
ليه سابتني أعرف كل ده بعد ما ماتت؟
ساعتها شفت الحزن يعدي في عينيه للحظة.
وقال بهدوء
لأنها كانت خايفة.
مش خوف عادي.
كانت مرعوبة إن عيلة المنشاوي تتحرك قبل ما تموت.
وكانت مرعوبة أكتر إن الأذى يوصلك إنتِ.

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى