روايات

اتجوزت ظابط

أخدت ابني ورحت بيت أهلي في السويس، قفلت تليفوني عن العالم كله، مكنتش عايزة غير التركيز. النهج اللي قررت أمشي عليه
مكنش صريخ وعياط، كان هدوء وسم. طارق كان فاكر إني هضعف وهطلب الطىلاق وأسلم بكل حاجة، بس هو ميعرفش إني في السنين اللي عشتها معاه كظابط، اتعلمت منه حاجات كتير، وأهمها إزاي ألاقي ثغرات في أي نظام، حتى لو كان نظام حياته.

بعد يومين، بدأت الخطة. اتصلت ب مها الزوجة الأولى اللي طارق كان مخبيها من رقم برايفت، ومكنتش محتاجة غير كلمة واحدة منها عشان أعرف إنها مستعدة تحىرق الأخضر واليابس. مها مكنتش ست عادية، كانت بنت لواء متقاعد وواصلة جداً. قولت لها كل تفاصيل الجوازة العرفي أو اللي هو بيسميها شرعي في السر، وبعت لها صور من عقد الجواز اللي نهي كانت متصورة بيه ومورياه ليا في لحظة غباء منها لما كنت بفتش في تليفونها وهي في الحمام.

طارق كان متخيل إن حياته ماشية طبيعي، وإن أمل المكسورة اللي ولدت من يومين دي هترجع تستسمحه وتطلب الرجوع. فجأة، جاتله مكالمة من الشغل، استدعاء عاجل للتحقيق في شكوى رسمية مقدمة ضده بخصوص استغلال نفوذ وتزوير في بيانات عائلية، ودي تهمة تنهي مستقبله المهني تماماً.
في نفس اللحظة، نهي كانت فاكرة إنها خلاص بقت ست البيت، بدأت تظهر في حياته علني، وبعت لها رسالة من رقم مجهول ألف مبروك على الجوازة، بس يا ترى سألتي طارق هو ليه مخبي على مراته الأولى لحد دلوقتي؟ وليه مأمن مستقبله باسمها هي مش باسمك؟.

نهي اللي كانت بتلعب دور الأخت والصديقة، بدأت شكوكها تشتغل، وأنا كنت بصب زيت على النىار. كنت ببعت لطارق صور وهو معاها، وببعت لنهي صور وهو مع مراته الأولى في مناسبات قديمة، وببعت لمراته الأولى كل حركة بيعملها. ولعت فيهم هما التلاتة ببعض، خليتهم يعيشوا في جحيم من الشك والتهىديد.
أخطر حاجة عملتها إني بدأت أجمع أدلة على شغل طارق من تحت لتحت. طارق طول عمره كان بيستغل منصبه في مصالح خاصة، وأنا كنت بجمع الأوراق دي واحدة واحدة وأنا في بيتنا، وكنت مخبياهم في مكان ميعرفوش. دلوقتي، كل ورقة كانت بتطلع للنور، وكانت بتتبعت في ظرف مقفول لمكتب القيادة بتاعته.

يوم الخميس، وأنا قاعدة في بيت أهلي، لقيت طارق بيتصل، رديت بهدوء، كان صوته مكسور، بيترجاني أرجع وأقول إن كل ده سوء تفاهم، وإن مراته الأولى اتصالح معاها، وإن نهي مجرد غلطة وهيطىلقها. ضحكت ضحكة باردة وقولتله أنا مش عايزة طلاق يا طارق، أنا عايزة أشوفك بتتحاسب على كل دمعة نزلت مني، وعلى كل غدر خاني بيه أقرب الناس ليا.. استنى، التقيل لسه مجاش.
قفلت السكة في وشه، وبصيت لابني اللي في حضني، وحلفت إني مش بس هخليه يطلق، أنا هخليه يتمنى لو الزمن يرجع بيه لورا قبل ما يعرفني، وقبل ما يفكر إنه يكىسر قلبي.

………..
أسبوع مر عليا وكأنه دهر، بس كان أسبوع من نار عليهم. طارق كان بيترنح بين تلات جبهات؛ مراته الأولى اللي محاصراه قانونياً بظهر أبوها، ونهي اللي بدأت تتجنن وتطالب بحقوقها العرفية اللي مبيعتترفش بيها غير قدامها، والشغل اللي بدأ يحقق في البلاغات اللي بتبعتلهم مجهولة بس مليانة تفاصيل متتصدقش.
يوم الخميس بليل، الباب خبط. فتحت لقيت طارق، شكله كان مهيأ إنه خارج من معركة خسرانة؛ وشه دبلان، وعيونه غايرة، والهدوم اللي كانت دايماً مكوية ومظبوطة بقت مبهدلة. وقف قدامي، مكنش قادر يرفع عينه، وقال بصوت مبحوح أمل.. خربتي بيتي، نهي اترفدت من شغلها، ومها رفعت قضية خلع وحجزت على كل حاجة، وأنا.. أنا بيتحقق معايا في الشغل بسبب بلاغات مجهولة.. أرجوكي، كفاية.

بصيتله وأنا مكنتش حاسة بأي ذرة شفقة، بالعكس، كنت حاسة بنشوة غريبة. دخلته الصالة، قعدت قصاده، وحطيت ابني في السرير الصغير جنبي. ابتسمت ابتسامة باردة وقولتله بيتك؟ أنت اللي خربته بإيدك يا طارق. وأنا مكنتش بعمل غير إني بساعدك تجني اللي زرعته.
بدأ يتوسل، يحلف إنه كان بيحبني، وإن اللي حصل ده غلطة شيطان. ضحكت بصوت عالي لدرجة إنه اتخض، وقولتله غلطة شيطان؟ لا يا طارق، دي كانت خطة، وأنا كنت الضحية اللي بتأمن ومبتشوفش. أنت اللي علمتني إن الظابط لازم يكون عنده دقة ملاحظة، وأنا كنت بلاحظ كل حركة بتعملها، كل كدبة بتكدبها، وكل قرش مشبوه كان بيدخل بيتنا.

طلعت من شنطتي ورقة، كانت صورة ضوئية لعقد عرفي تالت.. أيوه، طلعت نهي مش بس كانت بتخوني معاك، دي كانت بتسجل كل قعدة قعدتها معاك، وكانت بتبتزك كمان، وأنا كنت ببعتلها الدعم من بعيد عشان تفضل حاطة السكينة على رقبتك.
طارق اتصدم، وشه بقى أبيض زي الملاية، حاول ينطق بس ملقاش كلام. كملت ببرود أنا مش عايزة طلاق، الطلاق خروجك من حياتي بسلام، وأنا مش هسيبك تخرج بسلام. أنا عايزة الخلع، وعايزة نفقة لابنك، وعايزة كل قرش استوليته عليه يرجع لأصحابه، وعايزة اسمك يترفع من أي كشوف ترقيات، وأنت عارف إني معايا الدليل اللي يخلي ملفك في الشغل يتقفل للأبد.
بصلي بنظرة رعب، لأول مرة أشوفه بيخاف مني. قام وقف، كان عايز يتهجىم، بس في اللحظة دي والدي دخل الصالة، ومعاه محامي كبير. طارق اتجمد في مكانه، عرف إن اللعبة انتهت، وإنه مش بس خسر مراته وابنه، ده خسر مستقبله وسلطته.
دخلت الأوضة وقفلت على نفسي، وسمعت صوت عياطه في الصالة..

عياط رجالة مكىسورة. نمىت ليلتها نومة محلمتش بيها من يوم الولادة، لأني عرفت إن اللي بيكسر قلب ست مغلوبة على أمرها، ميعرفش إن ورا أمل دي، روح مش هتسكت غير لما تشوف حقها راجع بالمليم، وإن الوجع اللي كان في بطني وجرح الولادة، بقى هو القوة اللي بتمشيني في طريقي الجديد، طريق التار اللي مبيخلصش إلا بدموعهم هما.
…….

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى