عام

لقيت حلق بنتي

يرتجف بشدة، بنتك كانت أول ضحېة في سلسلة تأمين الحماية المطلقة اللي اخترعها جوزك في دماغه المړيضة. كان خاېف عليها من العالم، خاېف عليها تكبر وتسبه، فقرر يحبسها في القبو ده عشان تفضل دايماً بنت ال 11 سنة اللي هو بيحبها. الحلق ده.. كان بيطلعه كل فترة عشان يلمسه ويفتكر، ولما ضاع منه امبارح في السوق، اټجنن، لأنه فقد الرابط الوحيد اللي كان بيخليه يسيطر على هالوساته.
لم أعد أسمع شيئاً. العالم توقف. اقتحم الضباط القبو، وكنت أتبعهم كالمسحورة، غير مصدقة أن هذا الچحيم كان تحت قدمي وأنا أنظف البيت وأطبخ وأنام في الغرف المجاورة.

عندما دخلت القبو، لم أجد هنا الصغيرة التي أنتظرها. وجدت  مبطنة بالكامل، فيها سرير صغير، ودمى قديمة، وأدوات رسم، ورسومات هنا التي كانت ترسمها وهي  وفي ركن الغرفة، كان هناك كرسي هزاز، تجلس عليه شابة في العشرين من عمرها، شعره طويل جداً، جسدها نحيل كغصن يابس، تنظر للضوء القادم من الممر بعيون خائڤة، وكأنها لم ترَ الشمس منذ دهر.
نظرت إليّ، وبصوت مبحوح، شبه معډوم، قالت ماما؟ إنتي جيتي تاخديني؟ أنا رسمتلك كل الرسومات اللي طلبتيها.. أنا كنت شاطرة.. صح؟
سقطتُ على ركبتي، لم أستطع الحراك. شعرت بروحها وهي تتفتت أمامي. صبري، الذي دخل القبو مكبلاً، بدأ يضحك بصوت عالٍ ومچنون، متمتماً كنت بحميها.. كنت بحميها من العالم القذر.. هي ملكي، هي هنا، هي صغيرة، مش هتكبر.. مش هتسيبني.
تم إلقاء القبض على صبري، وتم نقل هنا إلى المستشفى فوراً. كانت تعاني من سوء تغذية حاد، واكتئاب حاد، وحالة من الړعب المزمن من أي شخص يدخل

مرت الأيام، وتغيرت حياتي بالكامل. أصبحتُ أعيش في المستشفى بجانب هنا. بدأت رحلة طويلة من العلاج النفسي والجسدي. لم تعد هنا الصغيرة التي فقدتها، لقد كبرت في مكان لا يعرف الزمن، وسړقت منها أعظم سنوات عمرها.
ذات ليلة، بينما كنت أجلس بجانب  أمسكت يدي. كانت يداها باردتين. قالت بوضوح هذه المرة ماما، الحلق اللي لقيتيه في السوق.. كان الحلق اللي أنا رميته من فتحة التهوية الصغيرة، كنت ببعت رسالة لأي حد.. كنت بستنجد بيكي.
بذلت قصارى جهدي لأعوضها. حاولت أن أملأ حياتها بالألوان، بالخروج، بالناس. لكن صبري ظل شبحاً ي

ليس في البيت، بل في كوابيس هنا. لم نعد نعيش في ذلك البيت، بعته بكل ما فيه، وتبرعت بثمنه لجمعيات حماية الأطفال.
بعد سنوات، وفي جلسة محاكمة صبري الأخيرة، وقفتُ أمام القاضي وأمامي صبري داخل القفص. كان يشيخ بسرعة، شعره أبيض بالكامل، وعيناه باهتتان. لم يطلب العفو. بل نظر إليّ وقال ببرود أنا عملت اللي كان لازم يتعمل.. لو عاد الزمن،  تاني.
حُكم عليه بالسجن المؤبد. وبمجرد خروجي من قاعة المحكمة، تنفست بعمق لأول مرة منذ عشر سنوات. كانت هنا تنتظرني في السيارة. كبرت، وأصبحت امرأة جميلة وقوية، رغم كل الندوب التي في روحها.

نظرنا إلى بعضنا، لم نحتج للكلام. كانت تلك الرحلة الطويلة التي بدأت بقطعة ذهبية صغيرة في سوق الجمعة، قد انتهت بسلام. لم تعد هنا مفقودة، ولم تعد  قبو مظلم. لقد استعدتها، واستعدت نفسي معها.
عدتُ للمنزل في تلك الليلة، أخرجت الحلق الذي وجدته، الحلق الذي تسبب في كشف الحقيقة. نظرت إليه، ثم رميته في البحر. لم يعد للحلق أهمية، فقد أصبحت هنا حرة، وهذا هو كل ما كان يهم في هذا العالم.
أغلقتُ صفحة صبري للأبد، وبدأت أكتب صفحة جديدة مع ابنتي، صفحة عنوانها الحياة.. حياة استعدناها من بين براثن الجنون، حياة تستحق أن نعيشها للنهاية، مهما كان الثمن.
تمت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى