
قبل ثمانية عشر عاما تخلت زوجتي عني وتركتني مع توأم حديثي الولادة كفيفين لتلاحق الشهرة. ربيتهما وحدي وعلمتهما الخياطة وبنينا حياة كاملة من بقايا القماش. وفي الأسبوع الماضي عادت ومعها فساتين فاخرة ونقود وشرط قاس جعل دمي يغلي.
اسمي مارك أبلغ من العمر اثنين وأربعين عاما وما حدث يوم الخميس الماضي غير كل ما كنت أؤمن به بشأن الفرص الثانية وبشأن الأشخاص الذين لا يستحقونها.
استيقظت ذات صباح منذ ثمانية عشر عاما على سرير فارغ ورسالة موضوعة على طاولة المطبخ.
في ذلك الوقت تركتني زوجتي لورين وحدي مع ابنتينا التوأم حديثتي الولادة إيما وكلارا.
كانتا كفيفتين منذ الولادة.
أخبرنا الأطباء بالأمر بلطف شديد وكأنهم يعتذرون عن شيء لا يملكون له يدا.
أما لورين فقد تلقت الخبر بطريقة مختلفة تماما.
رأت فيه حكما مؤبدا على حياتها حكما لم توقعه ولم ترغب به.
بعد ثلاثة أسابيع فقط من عودتنا بالطفلتين إلى المنزل
استيقظت صباحا فوجدت السرير فارغا ورسالة على طاولة المطبخ.
كانت قصيرة.
-
توابل تسبب الجلطاتمنذ 20 ساعة
-
قصه مروةمنذ 20 ساعة
باردة.
نهائية.
لا أستطيع الاستمرار. لدي أحلام. أنا آسفة.
هذا كل شيء.
لا رقم هاتف.
لا عنوان.
لا محاولة للشرح.
امرأة اختارت نفسها وتركت طفلين عاجزتين بحاجة إلى أمهما.
تحولت الحياة إلى دوامة من الرضاعات والحفاضات ومحاولات مستمرة لتعلم كيف أتنقل في عالم صمم للذين يستطيعون الرؤية.
لكن البقاء على قيد الحياة ليس هو العيش.
في معظم الأيام لم أكن أعرف ماذا أفعل.
قرأت كل كتاب وجدته عن تربية الأطفال ذوي
الإعىاقة البصرية.
تعلمت طريقة برايل قبل أن تنطقا بكلمة واحدة.
أعدت ترتيب الشقة كاملة بحيث تتمكنا من التحرك بأمان وحفظت كل زاوية وحافة عن ظهر قلب.
وبطريقة ما صمدنا.
لكن الصمود ليس هو العيش.
عندما بلغت الفتاتان الخامسة من عمرهما علمتهما الخياطة.
ولم أكتف بذلك.
بدأ الأمر كوسيلة لإشغال أيديهما ولتنمية المهارات الحركية الدقيقة
والإحساس بالمكان.
لكنه تحول إلى شيء أكبر بكثير.
كانت إيما تلمس القماش وتعرف نوعه بدقة فقط بتمرير أصابعها عليه.
أما كلارا فكان لديها حدس غريب تجاه الأنماط والبنى.
كانت تتخيل القطعة في ذهنها وتوجه يديها لصنعها دون أن ترى غرزة واحدة.
بنينا عالما لم تكن فيه العمى إعاقة.
حولنا غرفة الجلوس الصغيرة إلى ورشة عمل.
الأقمشة غطت كل سطح.
بكرات الخيط اصطفت على حافة النافذة كجنود ملونين.
آلة الخياطة كانت تهمهم حتى ساعات متأخرة من الليل ونحن نصنع الفساتين والأزياء وكل ما تخيلناه.
بنينا عالما لم يكن فيه العمى عائقا بل مجرد جزء من هويتهما.
ولم تسأل أي منهما عن أمها.
كبرتا قويتين واثقتين مستقلتين بشراسة.
تنقلتا في المدرسة بالعصا البيضاء والعزيمة.
كونتا صداقات ترى ما هو أبعد من الإعاقة.
ضحكتا حلمتا وخلقتا أشياء جميلة بأيديهما.
ولم تسأل أي منهما عن أمها.
حرصت على ألا تشعرا يوما أن غيابها خسارة
بل مجرد اختيار اتخذته.
في إحدى الأمسيات نادت إيما من طاولة الخياطة
أبي هل يمكنك مساعدتي في هذه الحاشية
اقتربت ووجهت يدها لتشعر بانثناء القماش.
هنا يا حبيبتي تشعرين به يجب أن تنعميه قبل التثبيت.
ابتسمت وأخذت أصابعها تعمل بسرعة.
فهمت!
رفعت كلارا رأسها من عملها وسألت
أبي هل تعتقد أننا جيدتان بما يكفي لبيع هذه القطع
نظرت إلى الفساتين التي صنعتاها دقيقة جميلة ومصنوعة بحب لا تحمله أي علامة تجارية في العالم.
قلت بثبات
أنتما أكثر من جيدتين. أنتما رائعتان.
بدأ صباح الخميس الماضي كأي صباح آخر.
كانت الفتاتان تعملان على تصاميم جديدة وكنت أعد القهوة عندما رن جرس الباب.
لم أكن أنتظر أحدا.
فتحت الباب
وكانت هناك.
لورين.
جانبا ودخلت كأن المكان ملكها.
جالت بعينيها في غرفة الجلوس المتواضعة وطاولة الخياطة والحياة التي بنيناها من دونها.
تجعد أنفها.
ما زلت الخاسر نفسه. ما زلت تعيش في هذا المكان كان يفترض بك أن تكون رجلا يصنع المال ويبني إمبراطورية.
تجمدت إيما وكلارا عند آلات الخياطة.
لم تستطيعا رؤيتها لكنهما سمعتا السم في صوتها.
سألت كلارا بهدوء
من هناك يا أبي
أخذت نفسا عميقا.
إنها أمكما.
ساد صمت خانق.
قالت إيما ببرود مؤلم
نحن كفيفتان. أليس هذا سبب رحيلك
تعثرت لورين للحظة ثم استعادت ابتسامتها المصطنعة.
بالطبع لا كنت أقصد أنكما كبرتما كثيرا. فكرت بكما كل يوم.
قالت كلارا بحدة
هذا مضحك لأننا لم نفكر بك أبدا.
قالت لورين وهي تحاول استعادة السيطرة
عدت لسبب. لدي شيء لكما.
وضعت حقيبتي ملابس على الأريكة ثم أخرجت ظرفا سميكا من النقود.
قالت
هذه فساتين مصممة والنقود كافية لتغيير حياتكما.
انقبض
صدري.
ثم أخرجت ورقة مطوية وقالت
لكن هناك شرطا واحدا.
شعرت بالجدران تضيق.
سألت إيما بصوت مرتجف
ما هو الشرط
قالت بابتسامة قاسية







