Uncategorized

جارتي كل يوم تطلب

وجهها يرتجف، وعيناها مثبتتين على الباب الخشبي كأنه حاجز واهٍ أمام إعصار.
الخبطات الثلاث كانت واضحة، باردة، وتحمل تهديداً مكتوماً.
مدام كارمن؟ صوت أدريان جاء من الخارج، ناعماً بشكل مرعب. أنا آسف للإزعاج، بس أعتقد إن زوجتي لوسي عند حضرتك.. هي نسيت إن عندها موعد مهم الصبح.
أشرتُ للوسي بيدي أن تدخل إلى غرفة النوم وتغلق الباب من الداخل. مشيتُ نحو الباب بخطوات وئيدة، أتعمد إحداث صوت بعصاي على الأرضية الخشبية.
فتحتُ الباب موارباً، واضعةً سلسلة الأمان. نظرتُ من الفتحة؛ كان أدريان يقف هناك، بقميصه المكوي بعناية وابتسامته التي لا تصل لعينيه أبداً.
أهلاً يا بني، قلتُ بنبرة هادئة. لوسي هنا فعلاً، كانت بتجيب سكر، بس فجأة داخت وتعبت، فخليتها ترتاح جوه شوية.
ابتسامته تلاشت ببطء.
تعبت؟ طيب خليني أدخل آخدها، أنا ههتم بيها.
لأ يا حبيبي، هي نايمة دلوقتي. والبيت بيت ست عجوزة، ما يصحش تدخل وهي بالوضع ده. استنى ساعة وارجع.
أدريان وضع يده على الباب، وشعرتُ بقوته تضغط ضد الخشب.
مدام كارمن، بلاش نلعب ألعاب

مع بعض. لوسي ملكي.. والولد ملكي. افتحي الباب بدل ما أكسره.
ضحكتُ ضحكة قصيرة جعلته يتوقف.
تكسر الباب؟ يا أدريان، أنت ناسي إننا في عمارة محترمة، وصوت الكسر هيجيب الجيران والشرطة في ثواني. وبعدين.. سحبتُ نفساً عميقاً أنا اتصلت بالبوليس من خمس دقايق لما شفت لوسي وشفت وشها المتبهدل.. هما زمانهم في الطريق.
كذبتُ طبعاً، لكن الكذبة كانت ضرورية لكسب الوقت. وجه أدريان تحول من الهدوء إلى وحشية حقيقية. بدأ يضرب الباب بكتفه.
جريتُ بقدر ما تسعفني رجلاي نحو المطبخ. لم أكن أبحث عن سكين، بل عن علبة البسكويت فوق الثلاجة. أخذتها ودخلت لغرفة النوم.
لوسي! اسمعيني كويس! صرختُ فيها وهي منهارة. في شباك في أوضة النوم بيطل على سلم الطوارئ الخلفي. انزلي منه فوراً. الشنطة جاهزة، والفلوس والأوراق فيها.
مش هقدر يا مدام كارمن.. أنا خايفة!
لو فضلتي هنا، الموت هو اللي مستنيكي. انزلي! أنا هعطله.
لحظة الانفجار وجبر الخواطر
الباب الأمامي بدأ يتشقق. أدريان كان يزأر كالذئب. لوسي، برؤية إميليانو وهو يبكي، استجمعت شجاعتها. فتحتُ لها الشباك، وساعدتها لتخرج إلى السلم الحديدي.
روحي على المحطة فوراً، التذكرة في العلبة!
بمجرد أن اختفت لوسي في ممر الطوارئ، انكسر باب الشقة. دخل أدريان كالعاصفة. كان يمسك في يده مفكاً طويلاً، وعيناه تشتعلان غلاً.
فين هي؟! صرخ وهو يمسكني من ذراعي بقوة آلمتني.
نظرتُ إليه بمنتهى البرود، وبصقتُ في وجهه.
هي في مكان عمرك ما هتوصله يا جبان.
دفعني على الأرض، وجرى نحو غرفة النوم، ليرى الشباك مفتوحاً. نظر للأسفل، كانت لوسي قد وصلت للرصيف وبدأت تجري نحو التاكسي الذي كنتُ قد اتفقتُ معه مسبقاً لينتظرها في ذلك الوقت من كل يوم احتياطاً.
أدريان حاول يلحقها من السلم، لكن في اللحظة دي، صوت صفارات الإنذار الحقيقية كان مالي الشارع. أنا فعلاً كنت ضغطت على زر الاستغاثة الصامت اللي حفيدي ركبهولي تحت التربيزة.
مرت ستة أشهر. أدريان اتمسك واتحكم عليه بالسجن بتهمة التعدي والترويع والشروع في القتل، خاصة بعد ما المحامي عادل ابن أختي اللي وصيته عليها قدم كل التسجيلات اللي لوسي سجلتها له بالموبايل القديم اللي اديتهولها.
أنا قاعدة في مطبخي دلوقتي، بشرب قهوتي الصبح. الساعة 817.
سمعت خبط على الباب.
قلبي دق. هل ممكن يكون رجع؟
فتحت الباب.
كانت لوسي. بس مش لوسي الباهتة الخايفة. كانت لابسة فستان ملون، ووشها فيه نضارة وحياة. وإميليانو كبر وبقى بيمشي، وجري عليا حضن رجلي.
مدام كارمن.. أنا جيت أرد لك السكر.
مدت لي كوباية مليانة سكر، بس المرة دي كان محطوط فوقها وردة صغيرة.
أنا اشتغلت في شيكاغو يا مدام كارمن.. وبقيت مستقلة. وجيت عشان أشكرك.. أنتي ما أنقذتيش حياتي بس، أنتي علمتيني إن القوة مش في العضلات، القوة في القلب اللي بيقرر إنه مش هيخاف تاني.
بكيتُ، ولأول مرة من سنين، ما كنتش ست عجوز وحيدة. كنت أم وجدة لروحين رجعوا للدنيا بسببي.
اتعلمت إن العمر مجرد رقم، وإن شوية سكر ممكن يكونوا سبب في تغيير قدر إنسان. وإن الست العجوز اللي الكل بيستهين بيها، هي اللي بتقدر تكسر الوحوش بذكائها وحكمتها.
لوسي فضلت معايا أسبوع قبل ما تسافر تاني، والمطبخ بتاعي فضل ريحته سكر وورد ليالي طويلة. لأن الجيرة مش بس حيطان، الجيرة قلوب بتطبطب على بعض في عز الوجع.
تمت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى