
جارتي كانت بتجيلي كل يوم تطلب سكر وهي شايلة ابنها، وكنت فاكرة إنها مجرد بنت مهملة ومش منظمة. لحد ما في يوم الصبح همستلي أنا مش جاية عشان السكر يا مدام كارمن.. أنا جاية لأن دي الطريقة الوحيدة اللي بيخليني أخرج بيها من الشقة وأنا عايشة. أول مرة، الموضوع ضايقني. كنت بشرب قهوتي الصبح، وبتابع الأخبار، ومستمتعة بالهدوء اللي بتتعلم تحبه بعد ما تعيش لوحدك سنين طويلة. وبعدين سمعت خبط على الباب. فتحت بالروب بتاعي، وما كنش باين عليا الترحيب خالص. كانت جارتي الجديدة من شقة 302. رفيعة.. باهتة.. ومعاها طفل نايم وضامّاه لصدرها.
بعد إذنك يا مدام.. ممكن شوية سكر؟
اديتها نص كوباية. حتى ما عزمتش عليها تدخل. قلت في نفسي بنات الأيام دي حتى مش عارفين يملوا مطبخهم.
لكنها رجعت تاني يوم. واللي بعده. واللي بعده. ديماً الساعة 817 الصبح. ديماً بعد ما جوزها ينزل الجراج، يدور الموتوسيكل بتاعه ويمشي. ديماً والطفل بين إيديها. وديماً بتبص ناحية السلم قبل ما تخبط على بابي.
سكر تاني؟ سألتها يوم خميس وأنا خلاص بدأت أزهق.
حاولت تبتسم. ما عرفتش.
وقتها بدأت أركز بجد. عينيها كانت ورمة، مش من قلة النوم.. من العياط. الطفل كان لابس نفس
الطقم الأصفر بقاله تلات أيام. ما كانش معاها موبايل أبداً. ولا شنطة إيد. ولا مفاتيح باينة. ولما كانت بتسمع صوت خطوات في الطرقة، كانت بتتخشب مكانها كأن فيه مسدس متوجه لقلبها.
أنا اسمي كارمن. عندي اتنين وسبعين سنة. شفت كتير في الحياة دي. وفيه أنواع من الخوف بتعرفها حتى لو كانت متنكرة في شكل أدب وذوق. يوم الاثنين اللي بعده، لما خبطت، ما ادتهاش سكر. وسعتلها الطريق.
ادخلي.
وقفت مكانها.
مش هقدر أتأخر.
يبقى ادخلي بسرعة.
دخلت وهي ضامة الطفل بقوة. كانت ريحتها لبن قاطع، وصابون رخيص، وخوف. صبيت لها شوية قهوة. أول ما مسكت المج، إيدها بدأت تترعش.
اسمك إيه يا حبيبتي؟
لوسي.
والولد؟
إميليانو.
الطفل فتح عينيه الصغيرة وبصلي كأنه هو كمان تعبان. وطيت صوتي.
لوسي، أنتي بجد محتاجة كل السكر ده؟
عينيها اتملت دموع قبل ما ترد. عرفت وقتها إن سؤالي قطع آخر خيط كان ماسكها.
لأ، همست. أنا مش جاية عشان السكر.
وقفت مكاني مذهولة. بصت ناحية الباب، وبعدين اتكلمت بصوت واطي لدرجة إني اضطريت أميل ناحيتها.
ده العذر الوحيد اللي عندي عشان أخرج من الشقة. هو بيتحكم في كل حاجة. الفلوس. المكالمات. رسايلي. حتى بيعد الحفاضات.
حسيت جوزك؟
لوسي هزت راسها. دمعة نزلت على راس الطفل.
لو نزلت المحل، بيحسبلي الوقت. لو كلمت ماما، بيراجع السجل. لو قلت عايزة أخرج، بيسأل ليه. بس المجيء هنا.. بصتلي بكسوف المجيء هنا بيوافق عليه، لأنه بيقول إنك مجرد ست عجوزة وحيدة وما بتشكليش أي تهديد.
ست عجوزة وحيدة. كنت هضحك. مش عشان الموضوع يضحك، بس من الغل. الراجل ده ما كنش يعرف إن الست العجوزة اللي دفنت جوزها ومخاوفها وصبرها، ممكن تكون من أي بنت تانية.
من اليوم ده، بيتي ما بقاش مجرد بيت. بقى ملاذ. لوسي كانت بتيجي كل يوم ومعاها كوبايتها الفاضية. كنت بحط سكر على الوش عشان يبان الموضوع طبيعي. بس من تحت، كنت بخبي حاجات تانية. ورقة فيها أرقام استغاثة. قميص نضيف. عشرة دولار. مفتاح احتياطي. موبايل قديم كنت شايلاه من ساعة ما حفيدي جابلي واحد جديد.
ما تفتحيهوش هناك أبداً، حذرتها. هنا بس.
هزت راسها زي طفلة بتسمع الكلام. بس كل يوم كانت بتتنفس أكتر شوية. الحياة بدأت ترن في مطبخي تاني. إميليانو اتعلم يزحف بين الكراسي بتوعي. لوسي بدأت تضحك بصوت واطي. الأول كأنها بتستأذن، وبعدين بجد.
حكتلي إن جوزها اسمه أدريان. وإنه في الأول كان حنين. وبعدين بدأ ب أنا مش عاجبني نظرات الراجل ده ليكي. وبعدين ما تشتغليش، أنا هكفيكي. وبعدين أمك بتتدخل زيادة عن اللزوم. وبعدين المفاتيح استخبت. والفلوس بقت تتعد. والزعاق. والزق. والاعتذارات. والورد. والزعاق من أول وجديد.
أنا مكسوفة، قالتلي في يوم. كنت ديماً بقول إن ده مستحيل يحصلي.
مسكت إيدها.
كلهم بيقولوا كدة لحد ما يقابلوا وحش بوش ملاك.
خدنا تلات شهور عشان نخطط. تلات شهور بنجمع أوراق. شهادة ميلاد إميليانو. بطاقتها. غيار هدوم. دوا. رقم تليفون أختها في شيكاغو. شلت لها كل حاجة في علبة بسكويت فوق الثلاجة.
لما تكوني جاهزة، تعالي، قلتلها. في أي وقت.
لوسي بصتلي كأني قدمت لها الدنيا كلها.
طب ولو جه؟
بصيت لعصايتي الساندة جنب الباب.
وقتها هيندم إنه استهان بست عجوزة وحيدة.
بس الأسبوع ده، أدريان اتغير. حسيت بكدة قبل حتى ما تحكيلي. لوسي وصلت متأخرة. مش 817، كانت 841. جت ومن غير سكر في إيدها. وشفت شفتها مقطوعة. وإميليانو بيعيط في حضنها.
عرف، همست.
رزعت الباب وقفلته.
عرف إيه؟
لوسي ما لحقتش ترد. من الناحية التانية من الطرقة، صوت خطوات سمعناه. خطوات بطيئة. تقيلة. واثقة.
وبعدين خبط على بابي.
تلات خبطات….
توقفت الأنفاس داخل شقتي. لوسي ضمت إميليانو لصدرها لدرجة أن الطفل كتم صرخته في ثوبها. كان








