عام

ابني وابن صاحبتي صابرين محمد

ابني وابن أقرب صاحبة ليا اتولدوا بنفس الوحمة النادرة… نفس الهلال الصغير المستخبي ورا الودن الشمال، ونفس المكان، ونفس الحجم، لدرجة إن الدكاترة يوم ولادة ابني وقفوا يتفرجوا عليها وقالوا إنها من أندر الوحمات اللي ممكن يشوفوها… يومها جوزي ضحك وقال: “أهو لو ضاع مننا يوم، الوحمة دي هترجعهولنا.” وضحكنا كلنا، ومحدش فينا كان يعرف إن الضحكة دي هتبقى بداية أكبر كابوس في حياتي.

أنا اسمي ندى، ومتجوزة شريف من سبع سنين. يوم ما ربنا رزقنا بابني “آدم”، كنت حاسة إن الدنيا كلها بقت ملكي. الولادة كانت متعبة، لكن أول ما حطوه في حضني نسيت كل الوجع. بعدها بدقائق، الدكتورة نادت شريف وورته الوحمة الصغيرة اللي ورا ودن آدم، وقالت إنها حالة نادرة جدًا. شريف ضحك وهزر، وأنا ضحكت معاه، وطلعنا من المستشفى وإحنا فاكرين إن الموضوع مجرد تفصيلة لطيفة هنحكيها لابننا لما يكبر.

عدت خمس سنين، وكانت أقرب إنسانة ليا في الدنيا هي صاحبتي “هبة”. كنا أصحاب من أيام الجامعة، وأسرارنا كلها عند بعض، ولما

حملت فرحتلها كأنها أختي. وبعد ما ولدت بأسبوع، رحت أباركلها وأشوف البيبي.
أول ما شلته بين إيديا… قلبي وقع.

ورا ودنه الشمال…

كان فيه نفس الهلال الصغير.

مش شبهه…

لأ.

هو هو.

نفس الحجم.

نفس الانحناءة.

نفس المكان.

بصيت لهبة، وقلت وأنا بحاول أضحك: “معقول؟! حتى الوحمة طلعت زي آدم!”

ضحكت وقالت ببساطة:
“يمكن صدفة.”

ضحكت معاها… لكن جوايا كان فيه صوت بيقول إن اللي قدامي مش صدفة أبدًا.

من يومها بقيت أركز في الولدين أكتر من اللازم. كل شهر يعدي، الشبه بينهم يزيد. نفس الضحكة، نفس النظرة، نفس طريقة الوقوف. والأسوأ إن الناس بدأت تلاحظ.

مرة واحدة في النادي، ست كبيرة وقفتني وقالت:
“دول إخوات؟”

ضحكت بسرعة وقلت:
“لأ… ده ابن صاحبتي.”

لكن السؤال فضل يرن في وداني طول اليوم.

فضلت أقنع نفسي إني بتوهم. يمكن عشان الولدين في نفس السن. يمكن عشان بقضوا وقت طويل مع بعض.

لحد يوم عيد ميلاد آدم.

كنت بلم الصور على الموبايل، وبعدين

طلعت ألبوم قديم كنا مصورينه بالكاميرا. وقعت في إيدي صورة آدم وابن هبة واقفين جنب بعض.
لأول مرة شفتهم من بره.

حتى أنا اتخضيت.

في اللحظة دي دخل شريف، خد الصورة يبص عليها، ووشه اتغير في ثانية.

حاول يرجعها مكانها بسرعة.

بس أنا كنت لمحته.

في الليلة دي مقدرتش أسكت.

استنيته لما دخل الأوضة، وقفت قدامه، وبصيت في عينه وقلت:

“عايزة أسألك سؤال… وجاوبني بصدق.”

قال باستغراب:
“خير؟”

قلت وأنا حاسة إن قلبي هيقف:

“إنت مع هبة؟”

اتجمد مكانه.

وشه بقى أبيض.

وبقى باصص في الأرض.

عدت ثواني…

لكن بالنسبة لي كانوا عمر كامل.

وأخيرًا قال بصوت :

“كنت بدعي ربنا إنك عمرك ما تسأليني السؤال ده.”

حسيت إن روحي خرجت مني.

قلت وأنا ببكي:

“يعني كلامي صح؟”

رفع راسه بسرعة وهزها.

“لأ… والله لأ.”

صرخت فيه:

“أمال ليه ابني وابنها شبه بعض بالشكل ده؟”

غمض عينه.

ومسح وشه بإيده كذا مرة.

وبعدين مشي من غير ولا كلمة.

فتح الدولاب اللي في طرقة الشقة.

وقف على كرسي.

ونزل ظرف قديم متغطي بالتراب.

كان أول مرة أشوفه.

الظرف كان مقفول من سنين.

ولونه مصفر من الزمن.

ولما بصيت عليه…

اتجمدت.

لأن اللي كان مكتوب عليه بخط إيد أبويا الله يرحمه، خلاني أنسى حتى أتنفس.

بصلي شريف وهو ماسك الظرف بإيده، وقال بهدوء:

“أبوكي قبل ما يموت… خلاني أوعده إن السر اللي جوه الظرف ده، عمري ما أقولهولك مهما حصل.”

في اللحظة دي، رجلي خانتني.

لأنني طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن أسوأ احتمال هو إن جوزي يكون خانني مع أقرب صاحبة ليا…

لكن بعد ما عرفت إن أبويا نفسه هو طرف في الحكاية…

اتمنيت من كل قلبي لو كانت مجرد خيانة…

لأن الحقيقة اللي كانت مستخبية جوه الظرف…

بعدما فتحتُ الظرف، وجدتُ بداخله عقد زواج شرعي قديم، وصورةً باهتة، ورسالةً بخط يد أبي رحمه الله.

لم أفهم شيئًا.

رفعت رأسي نحو زوجي وأنا أرتجف، وسألته:

“إيه ده؟”

قال بصوتٍ :

“أبوك

طلب مني أقسم بالله إني ما أقولكش الحقيقة طول ما هو عايش… وحتى بعد وفاته، إلا لو جه اليوم اللي بقيتي مستحيل تكملي من غير ما تعرفي.”
فتحت الرسالة.

وكان أول سطر فيها:

“سامحيني يا بنتي… أنا أخفيت عنك سرًا كنت فاكر إنه هيحميكي، لكنه في النهاية دمرك.”

بدأت أقرأ وأنا أشعر أن الأرض تتحرك تحت قدمي.

قبل أكثر من ثلاثين سنة…

كان أبي متزوجًا من امرأة أخرى قبل أن يتزوج أمي.

استمر الزواج عدة أشهر فقط، ثم انتهى بالطلاق بسبب ظروف عائلية معقدة.

لكن تلك المرأة كانت حاملًا.

وأنجبت بنتًا اسمها…

سمر.

توقفت أنفاسي.

سمر…

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى