عام

ابني وابن صاحبتي صابرين محمد

هو الاسم الحقيقي لصديقتي التي عرفتها طوال حياتي باسم “إيمان”، لأنها كانت تعيش مع زوج أمها الذي سجّلها باسمه بعد وفاة والدتها.

أعدت قراءة السطر مرات.

لا… لا يمكن يعني إيمان…

أختي؟

سمعت زوجي يقول بهدوء:

“أيوه… إيمان أختك من أبوكي.”

انهرت في مكاني.

كل الذكريات مرت أمام عيني.

كيف كان أبي يعاملها بحنانٍ زائد كلما زارتنا؟

كيف

كان يصر على مساعدتها ماديًا دون سبب؟
كيف كان يقول دائمًا إنها “بنت غالية عنده”؟

كنت أظن أنه يشفق عليها لأنها يتيمة.

لكن الحقيقة…

كانت ابنته.

ثم أكملت القراءة.

كتب أبي:

“لما عرفنا الحقيقة بعد وفاة أمها، كانت لسه صغيرة. حاولت أضمها لي، لكن أهلها رفضوا، وخفت لو ظهرت الحقيقة أهد بيوت وأفتح جروح ملهاش آخر. فقررت أقربها منك من غير ما تعرفي إنها أختك.”

كانت يداي ترتجفان.

سألت زوجي:

“وأنت… كنت عارف؟”

خفض رأسه.

“عرفت بعد جوازنا بسنين.”

“وسكت؟”

“لأن أبوكي كان بيموت… وكان كل اللي طلبه مني إني أحافظ على السر.”

صرخت:

“سيبتني أتهمك في شرفك!”

دمعت عيناه.

“كل يوم.”

“كل يوم كنت بموت وأنا ساكت.”

ثم أخرج صورة أخرى.

كانت صورة قديمة جدًا.

أبي يقف في منتصف الصورة.

وعلى يمينه طفلة صغيرة هي نفسها إيمان.

لكن في الصورة كانت تقف بجوار أبي وهي تضحك.

وخلف أذنها اليسرى نفس العلامة الهلالية.

تذكرت ابني وتذكرت ابنها.

العلامة لم تكن صدفة.

كانت علامة وراثية موجودة في عائلة أبي، وانتقلت إلى حفيديه من ابنتيه.

عندها فقط…

فهمت لماذا كان الولدان يشبهان بعضهما إلى هذا الحد.

لم يكونا أبناء رجل واحد…

بل كانا ابني أختين.

في اليوم التالي ذهبت إلى إيمان.

فتحت لي الباب وهي مبتسمة كعادتها.

لكنها بمجرد أن رأت وجهي…

اختفت

ابتسامتها.
قلت لها:

“أنتِ عارفة.”

أغلقت عينيها.

ثم همست:

“عرفت بعد وفاة بابا بسنة.”

شعرت بطعنة في قلبي.

“يعني الكل كان عارف… إلا أنا؟”

انفجرت تبكي.

قالت:

“والله حاولت أقولك ألف مرة.”

“لكن أبوك كان موصيني… وكان شايف إن الحقيقة هتكسرك.”

قلت وأنا أبكي:

“كسرتوني أكتر بسكوتكم.”

جلسنا ساعات طويلة.

نتكلم.

ونبكي.

ونتذكر.

وفي نهاية اليوم…

لم أعد أنظر إلى إيمان باعتبارها صديقتي فقط.

بل أختي التي حرمت منها ثلاثين سنة.

أما زوجي…

فاحتجت وقتًا طويلًا حتى أسامحه.

لم يخنّي.

لكنه أخفى عني حقيقة كانت تخص حياتي.

وأبي رحمه الله أدركت

أنه لم يكن رجلًا سيئًا.
كان يظن أنه يحمي أسرته لكنه نسي أن الحقيقة مهما طال غيابها ستعود يومًا.

وكلما تأخرت كان ثمنها أكبر.

ومنذ ذلك اليوم كلما رأيت العلامة الصغيرة خلف أذن ابني، لم أعد أراها دليل خيانة كما ظننت يومًا.

بل صارت تذكرني بأن بعض الأسرار لا تدمرنا لأنها شريرة…

بل لأنها ظلت مخفية وقتًا أطول مما ينبغي.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى