عام

بنتي ٤ سنوات

بنتي عندها 4 سنين فجأة في الحضانة وبعد بخمسة أيام، المُدرسة اتصلت بيا وقالت جوزك بيكدب عليكي شوفي اللي بعتّهولك.
في الصبح ده، كنت ناوية أوصل بنتنا آية للحضانة بنفسي.
لكن قبل ما أنزل بدقايق، جالي من الشغل إن فيه اجتماع ومهم جدًا.
كنت متأخرة أصلًا، ف جوزي محمود قال إنه هيوصلها بدل مني.
بعد كام ساعة، وأنا قاعدة في المكتب، تليفوني رن.
كانت الآنسة هناء، مُدرسة آية في الحضانة.
رديت فورًا.
وكان صوتها بيرتعش.
قالت
آية تعبت فجأة جدًا والإسعاف أخدتها المستشفى.
جريت من الشغل من غير ما أفكر.
وقلبى كان بيدق پعنف لدرجة إني حسيت إني ممكن أقع في أي لحظة.
ولما وصلت المستشفى
لقيت محمود واقف هناك بالفعل.
وشه كان شاحب بشكل غريب.
قبل حتى ما أسأله إيه اللي حصل
خرج دكتور من الممر.
وطّى عينه وقال
البقاء لله بنتكم تعرضت لحساسية شديدة جدًا. عملنا كل اللي نقدر عليه لكن للأسف مقدرناش ننقذها.
في اللحظة دي حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
الأيام اللي بعد كده عدّت كأنها كابوس.
ما كنتش باكل.
ما كنتش بنام.
ومحمود هو اللي تولى كل إجراءات ا لأن حتى مجرد التنفس كان صعب عليا.
بعد الچنازة بخمسة أيام
تليفوني رن تاني.
كانت الآنسة هناء.
لكن المرة دي صوتها كان متوتر بشكل مختلف.
قالت
يا مدام أنا كنت براجع كاميرات المراقبة بتاعة اليوم اللي آية تعبت فيه. كان فيه حاجة مضايقاني من ساعتها، فقررت أتأكد.
استغربت وسألتها
حاجة إيه؟
سكتت لحظة
وبعدين قالت
مش عارفة أقولك إزاي لكن جوزك كدب عليكي. أنا بعتّلك  من الكاميرات.
بعد دقايق، وصلني
فتحته فورًا.
الكاميرا كانت مصورة الممر اللي قدام فصل آية.
في الأول
كل حاجة كانت طبيعية.
الأطفال بيلعبوا.
والمدرسات رايحين جايين.
لكن بعد شوية
شفت شخص داخل الحضانة.
أول ما شفت وشها
حسيت الډم اتجمد في عروقي.
وصړخت من غير ما أحس
يا نهار أبيض هي كانت بتعمل إيه هناك؟!
في اللحظة دي عرفت إن اللي حصل لبنتي ما كانش مجرد

وعرفت كمان إن في حد لازم يدفع التمن
فضلت باصة ويدي بتترعش.
وقفت الصورة أكتر من مرة، وكبرت الشاشة، وكأني مش مصدقة اللي شايفاه.
الست اللي دخلت الحضانة كانت سعاد…
أم محمود.
حماتي.
نفس الست اللي قالت يوم آية إنها كانت قاعدة طول اليوم في بيتها وما خرجتش خالص.
رجعت الفيديو من الأول.
شفتها داخلة من البوابة الرئيسية، وبعدها بدقايق اختفت من مجال الكاميرا.
لكن السؤال اللي كان
هي راحت الحضانة ليه أصلًا؟
وليه محمود ما قالش إنها كانت هناك؟
اتصلت بالآنسة هناء فورًا.
قلت لها هو حماتي كانت جاية الحضانة ليه؟
ردت بتردد أنا بصراحة ما كنتش عارفة إنها قريبتكم. افتكرتها جدة عادية جاية تزور البنت.
قلبي وقع.
تزور البنت؟
قالت أيوة… هي طلبت تشوف آية دقايق في الفسحة.
سكت ثواني.
وبعدين سألتها وحد سمح لها؟

قالت للأسف هي قالت إنها الجدة وإن والد البنت عارف.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا.
طول عمر سعاد كانت علاقتها بآية غريبة.
قدام الناس كانت تدلعها وتحضنها.
لكن بينا وبين بعض كانت دايمًا تقول كلام يوجع.
مرة قالت لي البنت دي واخدة منك كل حاجة… حتى شكلها مش شبه محمود.
وقتها زعقت لها.
لكن محمود طلب مني أعدي الموضوع.
زي كل مرة.
رجع عقلي لمواقف كتير كنت ناسيّاها.
مواقف صغيرة كانت وقتها باينة عادية.
لكن دلوقتي بقت مخيفة.
قبل الۏفاة بشهر تقريبًا، آية اكتشفت عندها حساسية قوية جدًا من نوع معين من المكسرات.
الدكتور حذرنا ألف مرة.
وقال إن مجرد كمية بسيطة ممكن تعمل
أنا ومحمود كنا حافظين التعليمات.
حتى الحضانة كان عندها تقرير طبي كامل.
ومنعوا أي أكل فيه المادة دي.
فجأة افتكرت حاجة.
في يوم عند سعاد، كانت بتحاول تدي آية نوع حلوى فيه نفس المكون.
أنا
منعتها بسرعة.
سعاد وقتها اتضايقت وقالت
إنتوا مكبرين الموضوع أوي.
رديت الدكتور قال
قالت باستهزاء دكاترة اليومين دول بيخوفوا الناس وخلاص.
وقت الحاډثة ما اهتمتش بالكلام.
لكن دلوقتي…
الكلمات كانت بترجع لوداني بشكل مختلف.
فتحت مرة تانية.
وشفت حاجة خلت جسمي كله يقشعر.
قبل ما سعاد تدخل الفصل بدقيقة…
كان محمود موجود في الممر.
وقف معاها واتكلموا.
واضح جدًا إنهم كانوا متفقين على حاجة.
بعدها هو خرج.
وهي كملت لوحدها.
يعني محمود كان عارف إنها هناك.
بل ويمكن يكون هو اللي سمح لها تدخل.
في اللحظة دي حسيت پغضب عمري ما حسيت بيه.
مسكت موبايلي واتصلت بمحمود.
رد بعد ثواني.
صوته كان هادي بشكل مستفز.
قال خير؟
قلت أمك كانت في الحضانة يوم آية.
سكت.
ثانيتين.
ثلاثة.
وبعدين قال مين قالك؟
عرفت وقتها إنه بيكدب.
لو كان الموضوع عادي كان قال أيوة كانت هناك.
لكن سؤاله كشفه.
قلت شفت

سمعت نفسه اتغير.
وبعدين قال بسرعة كانت رايحة تشوف البنت بس.
صړخت وليه خبيت عليا؟
قال عشان ما تعمليش مشاكل.
مشاكل؟ بنتنا  يا محمود!
فضل ساكت.
سكتة طويلة جدًا.
لدرجة إني حسيت إن فيه حاجة أكبر مستخبية.
قلت إيه اللي حصل يومها بالظبط؟
رد بعصبية كفاية بقى. إحنا في
وقفلت المكالمة.
أول مرة في حياتي أحس إني من جوزي.
مش زعلانة منه.
مش متضايقة.
خاېفة.
في المساء، رحت للحضانة.
الآنسة هناء استقبلتني في مكتب المديرة.
وكان واضح إنها متوترة.
قالت فيه حاجة تانية لازم تشوفيها.
فتحت جهاز الكمبيوتر.
وجابت تسجيل من كاميرا تانية.
الكاميرا كانت جوة ساحة الألعاب.
آية كانت قاعدة على ترابيزة صغيرة مع الأطفال.
بعد شوية ظهرت سعاد.
قربت منها.
قعدت جنبها.
وأخرجت حاجة من شنطتها.
الصورة ما كانتش واضحة قوي.
لكن واضح إنها قدمت لآية حاجة تاكلها.
آية أخدتها بابتسامة.
وبعدها بدقايق…
بدأت تظهر عليها علامات التعب.
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أتنفس.
قلت إيه اللي ادتهولها؟
المديرة قالت مش باين.
الآنسة هناء قالت لكن بعد عشر دقايق تقريبًا حصلت
الدموع نزلت من عيني ڠصب عني.
بنتي كانت سليمة.
بتضحك.
وبعدين خلال دقائق حياتها كلها انتهت.
رجعت البيت وأنا مش شايفة قدامي.
لكن قبل ما أوصل…
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها جملة واحدة فقط
لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة… دوري في درج مكتب محمود المقفول.

وقفت في الشارع مكاني.
وبقيت أبص للشاشة.
مين بعت الرسالة؟
وليه؟
وليه يعرف حاجة عن مكتب محمود؟
لما وصلت البيت، كان محمود لسه بره.
دخلت  المكتب.
الدولاب الصغير كان مقفول فعلًا.
قعدت أدور لحد ما لقيت المفتاح ورا مجموعة كتب.
فتحت الدرج.
في الأول لقيت أوراق عادية.
فواتير.
مستندات.
عقود.
لكن تحتهم كان فيه ظرف بني.
فتحت الظرف.
واتجمدت.

لأن أول ورقة فيه كانت تقرير طبي باسم آية…
ومكتوب فيه بخط أحمر كبير
حساسية شديدة قد تؤدي إلى عند التعرض للمادة المذكورة.
يعني محمود كان عارف بالتفصيل.
لكن اللي خلاني أحس بالړعب فعلًا…
إن تحت التقرير كانت فيه ورقة تانية.
ورقة مطبوعة بتاريخ قبل آية بأسبوع.
وفيها رسالة قصيرة مرسلة من محمود إلى شخص مجهول.
مكتوب فيها
ما تقلقيش… هخلص الموضوع كله قريب.
وقتها بس…
بدأت أحس إن بنتي يمكن ما كانتش مجرد إهمال.
وإن السر اللي محمود وسعاد بيخفوه أخطر بكتير مما كنت متخيلة.

فضلت ماسكة الورقة بإيدي ومش قادرة أبعد عيني عنها.
الجملة كانت قصيرة جدًا.
لكن معناها كان مرعب.
ما تقلقيش… هخلص الموضوع كله قريب.
مين الشخص اللي كان بيكلمه محمود؟
وإيه هو الموضوع اللي هيخلصه؟
وليه الرسالة جاية قبل آية بأسبوع بالظبط؟
سمعت صوت مفتاح الباب الخارجي.
محمود رجع.
قفلت الدرج بسرعة وحطيت كل حاجة مكانها.
وخرجت من المكتب كأني ما شفتش حاجة.
دخل الصالة.
بصلي للحظة.
واضح إنه لاحظ إني متوترة.
قال مالك؟
رديت بهدوء متعمد مفيش.
قعد على الكنبة وهو مرهق.
لكن لأول مرة من سنين، حسيت إني مش عارفة الراجل اللي قدامي.
كل كلمة بيقولها بقيت أشك فيها.
كل حركة.
كل نظرة.

قضيت الليل كله صاحية.
أول ما نام، فتحت موبايله.
كنت عارفة الرقم السري من زمان.
بدأت أفتش.
رسائل.
مكالمات.
واتساب.
لكن أغلب الحاجات
كانت ممسوحة.
وده
زود

شكوكي أكتر.
وأنا بدور لقيت اسم متسجل بحرف واحد فقط.
ن.
فتحت المحادثة.
قلبي وقع.
الرسائل القديمة كانت محذوفة.
لكن فيه رسالة أخيرة قبل آية بست أيام.
مكتوب فيها
إنت وعدتني.
ورد محمود
اصبري شوية.
وبعدين
كل حاجة هتخلص قريب.
نفس الجملة تقريبًا.
قفلت الموبايل بسرعة لما حسيت إنه بيتحرك في النوم.
لكن النوم ما جاليش.
في الصبح، أول ما نزل الشغل، اتصلت بصاحبة قديمة ليا اسمها نهى.
نهى كانت شغالة محامية.
حكيت لها كل حاجة.

الرسائل.
زيارة سعاد للحضانة.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
إوعي تتهمي حد من غير دليل.
قلت عارفة.
قالت لكن لازم تجيبي تقرير الكامل.
وفعلًا روحت المستشفى.
بعد ساعات من الإجراءات استلمت نسخة من الملف الطبي.
قعدت أقلب الصفحات.
لحد ما وصلت لجزء التحاليل.
وكانت الصدمة.
التقرير أكد إن سبب  حساسية حادة نتيجة تناول مادة معينة.
نفس المادة اللي الدكتور حذرنا منها.
نفس المادة اللي كانت ممنوعة عن آية تمامًا.
يعني بنتي أكلتها قبل ا مباشرة.
رجعت الحضانة مرة تانية.
وسألت المديرة
فيه بقايا من الأكل اللي كانت أكلته يومها؟
هزت رأسها بالنفي.
لكن قالت حاجة مهمة.
قالت

فيه عاملة كانت موجودة يومها. وبعد  سابت الشغل.
استغربت.
ليه؟
قالت معرفش. استقالت فجأة.
أخدت اسمها وعنوانها.
وفي نفس اليوم روحت لها.
كانت ست بسيطة في الخمسينات.
أول ما فتحت الباب وشافتني اتوترت.
عرفت إنها عرفتني.
قلت أنا أم آية.
وشها شحب.
وقالت اتفضلي.
دخلت.
وقعدنا دقائق في صمت.
وبعدين سألتها
إيه اللي حصل يومها؟
نزلت عينيها للأرض.
وما ردتش.
كررت السؤال.
فقالت بصوت منخفض
أنا ما شوفتش حاجة.
لكن طريقة كلامها كانت بتقول العكس.
قلت لو تعرفي حاجة عن بنتي قوليها.
بدأت دموعها تنزل.
وقالت
أنا كنت خاېفة.
اتجمدت مكاني.
من مين؟
رفعت رأسها وبصتلي.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى