عام

القصة التي أربكت

حدث أمر غريب في النساء باين ريدج بولاية أوريغون في مطلع عام 2023. فقد امرأة فجأة داخل  رقم 17 في الجناح C وهو القسم المخصص ذوات الخطۏرة العالية وذلك بينما كانت وحدها تماما. هرع الطاقم الطبي إلى المكان وكانت الصدمة حين اكتشفوا أن المرأة حامل في الأسبوع العشرين. لكن الغرابة لم تكن في الحمل وحده بل في الظروف المحيطة به. فقد كانت تلك المرأة معزولة انفراديا منذ قرابة عام كامل. لا تتحدث مع الرجال لا تزور أحدا ولا تختلط حتى ببقية . لم تسجل أي محاولة

 

لزنانتها ولم تظهر أي دلائل على تدخل خارجي. وسؤال واحد تردد في أذهان الجميع
كيف يمكن لامرأة تخضع لكل هذا  أن تكون حاملا
بدأت هذه القصة العجيبة في ليلة هادئة من ليالي الثاني عشر من أكتوبر عام 2022. كان   في الصمت لا قمر في السماء ولا نجوم ولم يكن يسمع سوى أزيز المصابيح وخطوات الحراس في الجناح C. في  رقم 17 كانت إيميلي آن هاربر البالغة من العمر أربعة وثلاثين عاما تقضي حكما  المؤبد  الاتجار بالکوكايين. منذ عام 2020 لم تتلق أي رسالة ولا مكالمة ولا زيارة. ثلاث حارسات كن يتناوبن مراقبتها. كانت تنفذ الأوامر بدقة لا تحدث ولا تتحدث إلا نادرا. لم يكن

أحد يعرف ما يدور في داخلها.
في تلك الليلة لم يكن كل شيء على حاله. لم تستطع إيميلي النوم. جلست مستندة إلى الجدار واضعة يدها على بطنها بصمت. عند الساعة الواحدة وست وأربعين دقيقة فجرا رصدها الضابط دانيال جيمس كارتر عبر كاميرات المراقبة. نهضت من مكانها خطت خطوة واحدة ثم سقطت أرضا. اصطدم رأسها بقوة بالسرير الخرساني وبقيت بلا حراك.
دوى الإنذار ووصل فريق التدخل خلال دقائق وفتحوا الأبواب الفولاذية المتتالية للوصول إليها. كانت فاقدة للوعي وعلى شفتيها

ويدها اليمنى  على بطنها. في الوحدة الطبية بدأ الدكتور توماس إيفانز فحصها. وأثناء إجراء تصوير بالموجات فوق الصوتية بحثا عن أي  داخلي ظهرت المفاجأة جنين حي يتمتع بصحة جيدة يبلغ عمره نحو عشرين أسبوعا.
أرسل الدكتور تقريرا عاجلا إلى إدارة . وفي صباح اليوم التالي جمع مدير  روبرت فوستر جميع العاملين وعرض عليهم النتائج الطبية. خيم الذهول على القاعة. كيف حدث هذا كيف يمكن لامرأة تحت   والمراقبة الدقيقة أن تحمل
لم يكن لدى أحد جواب.
بدأ تحقيق داخلي واسع. راجع فريق  تسجيلات   لشهرين كاملين واستجوبوا جميع أفراد الطاقم ودققوا في سجلات الطعام والسجلات الطبية وحركات الدخول والخروج من  17. لم تظهر أي ثغرة. لا أبواب مفتوحة ولا أدوات مهربة ولا تواصل مع رجال. كانت آمنة

في ذلك اليوم استعادت إيميلي وعيها. قالت بهدو
كنت أعلم أنني سأصبح أما. كل ما أريده هو أن أنجب طفلي.
وعندما سئلت إن كان أحد قد أجبرها أجابت بالنفي. وحين سئلت عن هوية الأب التزمت الصمت. وعندما ألحوا بالسؤال عما إذا كانت قد فعلت ذلك وحدها قالت
كنت وحدي.
لم يصدقها كثيرون. لكن لم يكن هناك دليل يدحض كلامها.
انتشرت الهمسات في أرجاء  . بعضهم ظن أن هناك تدخلا خارجيا وآخرون رأوا أن النظام فشل. وضعت كاميرا إضافية في

. ولاحظ الحراس كتابات  على الجدار تقول
لا أريد أن أعيش لكنني أريد لطفلي أن يعيش.
كما وجدت منشفة مطرزة بخيط أحمر كتب عليه نجمة الأمل.
ظلت إيميلي هادئة رغم كل الغموض.
كانت إيميلي في الماضي طالبة نابغة ومعلمة محبوبة. في سن الثامنة كانت متقدمة دراسيا على أقرانها. كبرت وأصبحت معلمة وباحثة. وفي أوج نجاحها تعرفت إلى رجل أعمال من بورتلاند يكبرها بسبع سنوات. كان ينتظرها بعد الدروس حاملا الزهور. أحبا بعضهما وتزوجا سريعا. تركت عملها وانتقلت معه إلى سالم.
بعد ستة أشهر اكتشفت أنه غارق في ديون القماړ. باعت  لإنقاذ الزواج لكنه اختفى ذات ليلة مغادرا البلاد تاركا إياها وحدها مع الديون.
عملت كمدرسة خاصة لتعيش. وفي يوم ما عرضت عليها صديقة مبلغ ثلاثة آلاف دولار  ما ظنت أنه نباتات قانونية عبر الحدود. وافقت بدافع الحاجة. في الثامن والعشرين من ديسمبر 2019 اعتقلت. وجد في حقيبتها كيلوغرام من الهيروين.

لم يكن معها محام حقيقي. وبعد جلستين فقط صدر بحقها  في العاشر من مايو 2020. لم تطلب إعادة محاكمة.
نقلت إلى الجناح C وعاشت في عزلة تامة. لم يزرها أحد. كانت تمضي ثماني عشرة دقيقة يوميا فقط في ساحة صغيرة. تحولت من امرأة ذكية إلى شخص صامت يكاد لا يرى.
بعد اكتشاف الحمل شكل مدير  لجنة خاصة من الخبراء. فحصوا كل شيء حتى فتحات التهوية. وبعد أشهر وأثناء فحص نظام التهوية اكتشف غطاء جديد لأحد المنافذ ووراءه وجد خيط نايلون وكيس بلاستيكي صغير وحقنة مستعملة.

أظهر تحليل الحمض النووي أن محتوى الحقنة يعود  يدعى جيمس مايكل تيرنر.
كان جيمس شابا في السادسة والعشرين طالب طب سابقا يعمل في صيانة الكهرباء داخل  بعد  التيار في يوليو. كان معروفا بالانضباط والمعرفة الطبية. وعندما استجوب اعترف بالحقيقة.
قال لاحقا بصوت خاڤت كمن يعترف بشيء ظل ثقيلا على صدره طويلا إنه في إحدى الليالي المتأخرة بينما كان يعمل قرب فتحة التهوية في الممر التقني سمع سعالا مكتوما  يشبه استغاثة لا تريد أن تسمع. لم يكن سعال  فقط بل كان صوت إنسان في وحدة طويلة.
ثم بعد دقائق تدحرجت نحوه ورقة صغيرة ملفوفة بعناية حول غلاف علبة سجائر

مهترئة. فتحها بيدين مرتجفتين وقرأ كلمات قصيرة لكنها كانت أثقل من الجدران التي تفصل بين الزنازين
لا أريد أن أعيش
أريد فقط أن يراني أحد.
قال جيمس إن تلك الجملة لم تغادره. لم تكن طلبا مباشرا ولا توسلا فجا بل كانت   من إنسانة وصلت إلى آخر ما يمكن للروح أن تتحمله. لم يكن يعرف من كتبتها ولا شكلها ولا قصتها لكنه شعر للمرة الأولى منذ سنوات أن إنسانا ما يتحدث إليه من خلف الخرسانة لا بصفته  أو  أو عامل صيانة بل بصفته شاهدا على الوجود.
لم تمر أيام حتى جاءت ورقة ثانية ثم ثالثة. كلمات قليلة خط مهتز لكن المعنى كان يتضح أكثر فأكثر. كانت الرسائل تتحول من

 صامت إلى رغبة واحدة تتكرر بصيغ مختلفة حتى جاءت العبارة التي غيرت كل شيء
أتمنى أن أصبح أما قبل أن  .
قال جيمس إنه حين قرأها لم يفكر في القوانين ولا في العواقب ولا حتى في نفسه. فكر فقط في أن هناك إنسانة في هذا المكان في هذا الفراغ لم تطلب الحرية ولم تطلب العفو ولم تطلب النجاة لنفسها بل طلبت معنى أخيرا يجعل أقل قسۏة.
بعد أيام من الصراع الداخلي اتخذ قراره. لم يكن قرارا بطوليا في نظره ولم يكن محاولة للتمرد على النظام. كان كما قال لاحقا محاولة صغيرة لإنقاذ شيء هش جدا اسمه الأمل.

أحيانا تحتاج إلى خرق صغير كي تستمر.
عندما كشفت الحقيقة لاحقا لم يعل صړاخ ولم تسمع احتجاجات. ساد صمت ثقيل صمت يشبه الوقوف أمام مرآة تظهر ما لا يريد أحد الاعتراف به. قال جيمس حين سئل عن دوافعه
هذا الطفل أراد أن يولد.
لم أنقذ أحدا في حياتي من قبل
لكن هذا الفعل مهما كان صغيرا أو غريبا أعطى لحياتنا معنى.
أما إيميلي فلم تستخدم حملها ورقة ضغط ولم تحاول استدرار الشفقة. لم تطلب تخفيف الحكم ولم تستأنف  ولم تلق خطبا عن الظلم. قالت بهدوء وكأنها تتحدث عن أمر بديهي
أريد أن أنجب طفلي.

السابق1 من 2
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى