
عدت سنتين، السنتين دول كانوا كافيين يغيروا ملامح حياتي تماماً. طارق مابقاش الرائد طارق، بقى مجرد رقم في ملفات القضايا، حكم عليه بالسجن بتهم التزوير واستغلال النفوذ، والنهاردة هو بيقضي أيامه بين أربع حيطان، زي ما كان بيحب يحبىسني في خيالاته المريضة.
نهي؟ طلعت أسوأ ما في الناس، بعد ما طارق وقع، حاولت تتصل بيا وتستعطفني عشان أشهد لصالحها في قضية تانية كانت هي طرف فيها، كانت فاكرة إني ممكن أنسى. بس أنا كنت أبعد ما يكون عن الشفقة، قفلت في وشها السكة، وسمعت بعدها إنها اتجوزت راجل أكبر منها بكتير، بيعاملها بنفس القسوة والشك اللي كانت بتسقيها للناس، كأنها بتدفع ضريبة الأيام اللي كانت بتدخل فيها بيوت الناس وتخربها.
أنا، أمل، مبقتش أمل اللي بتسكت. رجعت كملت تعليمي، وفتحت مشروع صغير في السويس، وبقيت بشتغل وبكبر، والحمد لله ابني ياسين بقى عنده سنتين، صوره وهو بيضحك هي اللي بتمسح أي ذكرى وحشة. ساعات بالليل، لما الدنيا بتسكن، بفتكر اليوم اللي ولدت فيه، بفتكر صدمتي في الأوضة، وبحس بوجع خفيف في مكان الجرح.. بس الوجع ده مبقاش يكىسرني، بقا بيفكرني إني قوية، إني قدرت أخرج من أبشع حياة لحياة أنا اللي اخترتها لنفسي.
محدش يعرف الحكاية دي غيري أنا وماما، وحتى ماما بقيت بتشوفني بنظرة فخر، مكنتش بتصدق إن بنتها الوديعة اللي كانت بتخاف من خيالها، قدرت تقف في وش ظابط وتوقعه في عقر داره.
-
وجدتُ علبة حبوب منع الحمل تحت مقعد سيارة زوجيمنذ 5 ساعات
-
اكتشاف السر بعد 30 سنة في قميص ليلة الزفافمنذ 5 ساعات
-
كان بيقول عليهم بناتهمنذ 4 أيام
أنا دلوقتي عايشة بسلام، مش محتاجة انتقام تاني، لأن أكبر انتقىام كان إني نسيتهم. مابقتش أفكر فيهم، مابقتش أدخل صفحاتهم، ولا حتى بسأل عن أخبارهم. طارق ونهي بقوا مجرد درس قاسي في كتاب حياتي، صفحة وطويتها ومسحتها من ذاكرتي تماماً.
قفلت التليفون وكنت قاعدة في بلكونة بيتي في السويس، الهواء كان جميل، وياسين كان نايم في أوضته، بصيت للسما وقولت بصوت واطي شكراً يا رب إنك قوتني، وشكراً إنك أخدت لي حقي من غير ما أظلم حد.. أنا بدأت حياتي من جديد، وبدأت أكتب فصولها ب إيدي، وأي ست بتمر بوجع زي وجعي، لازم تعرف إن النهاية مش دايماً بتكون انكىسار، أحياناً بتكون بداية أقوى إنسانة ممكن تتخيليها.
الحياة مكملة، والضحكة اللي رجعت لوشي هي الانتصار الحقيقي اللي مفيش أي خيانة في الدنيا تقدر تسرقه مني.
……..
قمت من مكاني وأنا حاسة برضا غريب، دخلت أوضة ابني ياسين، وقفت قدام سريره اتأمل ملامحه اللي واخدها من طارق، بس اللي فيه من عيونه براءة مختلفة، براءة مفيهاش خيانة، براءة زرعتها في قلبه أنا لوحدي. طبعت بوسة على جبينه، وخرجت للصالة، مسكت الموبايل، لقيت إشعار من صفحة كانت بتابع أخبار الشرطة والقضاء، كان فيه خبر قصير عن خروج الرائد السابق من السجن بعد قضاء فترة عقوبته، قلبي دق دقة واحدة بس، مكنتش دقة خوف، كانت دقة تفكرني إن القوة اللي جوايا لسه موجودة، مهما حصل.
رميت الموبايل بعيد، مش لأني خايفة، بس لأن الشخص اللي خرج ده مابقاش يخصني، ولا يخص حياتي في أي شيء. فتحت اللابتوب، بدأت أكتب في روايتي الجديدة، رواية عن ستات اتكسروا وقاموا تاني، ستات مبيستنوش حد ياخدلهم حقهم، ستات هما اللي بيكتبوا نهاياتهم بإيديهم.
سمعت خبط خفيف على الباب، كانت ماما داخلة ومعاها كوباية شاي بالنعناع، قعدت جنبي وبصت للشاشة وابتسمت بتكتبي إيه يا أمل؟
بصيت لها، ابتسمت من قلبي وقولت بكتب عننا يا ماما، عن كل ست شافت الجحيم وقررت تخرج منه جنة. بكتب عشان أي واحدة تانية بتقرأ، تعرف إن اللي بيخىونها مش بيخون ثقتها، ده بيخون الفرصة اللي كانت في إيده عشان يكون بطل في حياة ست عظيمة.
فجأة، رن تليفوني برقم غريب.. رديت ببرود، كان صوت راجل، عرف نفسه إنه محامي طارق، قال بصوت متردد أستاذة أمل، طارق خرج، وبيطلب يشوف ابنه، وعايز يتكلم في حقوقه.
أخدت نفس عميق، وقولت بصوت هادي ومحسوم ياسين له أب واحد بس، والأب هو اللي بيصون مش اللي بيخىون. قل لطارق إن حقوقه انتهت من يوم ما داس على كرامة بيته، وأي محاولة منه للوصول ليا أو لابني، الملف اللي عند النيابة لسه موجود، وأنا مستعدة أفتحه من جديد وأزود عليه كل اللي حصل في السنتين اللي فاتوا.. الطريق مفتوح قدامه، بس مش ناحيتي.
قفلت السكة قبل ما ينطق حرف، قفلت الموبايل خالص، ورجعت أكمل كتابتي، ودمعة واحدة نزلت مني، مش دمعة حزن، دمعة فخر ب أمل اللي قدرت أخيراً تقول لا وتعيش حياتها ملكة على عرش نفسها، بعيداً عن أي خىيانة، وعن أي حد حاول يكىىسرها.
الحكاية مخلصتش، لأن الحياة نفسها حكاية، بس الفصل ده من حياتي أنا قفلته بختم القوة، وبدأت صفحة جديدة بياضها ينور، وحكايتها أبطالها الحقيقيين هما اللي بيعرفوا قيمة الأمان، والقيمة الحقيقية للبيت اللي بيتبني على الصدق، مش على الأوهام.
تمىت
حكايات انجى الخطيب





