
قىضيت ستين عامًا أحاول محو صوت تلك الصىرخة، لكنني لم أفلح قط. ما زلت أستيقظ أحيانًا على إحىساس معدن بارد يلامس ظهري، أشعر بالبرد يتسلل إلى عمودي الفقري، أشعر بثقل بطني يغوص، أشعر بيديه تدفعان ابني خارجًا دون تردد، كما لو كان يُخرج شيئًا من آلية معطلة
اكتشفتُ الحقيقة فجر يوم ١٤ فبراير ١٩٤٤. إن كنتم تستمعون إليّ الآن، إن كنتم تتابعون هذه القصة، فأرجو منكم أن تتركوا أثراً يدل على وجودكم هناك، لأن كل شهادة لا تبقى حية إلا ما دام هناك من يستمع. أريدكم أن تستمعوا حتى النهاية، لأن ما حدث في هذه الغرفة لم يُروَ بالكامل بعد.
-
مايحدث بدون خوف من أحد..منذ 22 ساعة
بدأت الانقىباضات في الثالثة صباحًا. لم أصىرخ، ولم أستدعِ أحدًا. انتظرتُ ببساطة، مستلقيةً على الفىراش الخشبي، أشعر بجسدي يتمىزق ببطء. في الخامسة، دخل حارس، نظر إليّ بنظرة جامدة، وقال شيئًا بالألمانية. اقتادوني. مشيتُ وحدي، برفقة جنديين، إلى غرفة جانبية في الجناح الطبي. في الداخل، كانت هناك طاولة معدنية، لا شيء آخر. لا ملاءات، لا أدوات في الأفق، فقط الطاولة وجندي ألماني بزيّه الأنيق يقف هناك ينتظر. لم يُعرّف بنفسه، ولم يسأل عن اسمي، ولم يقس ضغط ذمي. أشار ببساطة إلى الطاولة وقال بالفرنسية المتقطعة: “استلقياستلقيتُ. كان المعدن باردًا لدرجة أنه أحــ,,ـــــرق جلدي. شعرتُ بجسدي كله يرتجف، من البرد ولكن في الغالب من الخوف. خوف من الولادة، من الألم، ومن ما سيأتي بعدها. هناك، في تلك الغرفة المظىلمة بلا نوافذ ولا سجلات، أدركتُ أن الولادة لا تعني الحياة، بل حكمًا. لم يكن الجندي يرتدي قفازات ولم يُعطني أي تخىدير. لم يتكلم طوال العملية، ضاغطًا بقوة على بطني ويفحص التوسع بلا مبالاة. انتظر، كما ينتظر المرء نهاية مهمة شىاقة. عرفتُ ما حدث لبعض الأطفال من الهمسات في الثكنات، من نظرات النساء الشاردة اللواتي عدن دون أطفالهن.
كانت هناك طريقة، حركة سريعة، نظرة خاطفة، طفل يبكي ثم يتوقف عن البكاءولد ابني في السابعة صباحًا. أطلق صىرخة حادة يائسة. مددتُ يدي غريزيًا، لكن الجندي كان قد أمسك به. حمله كشيء مبلل، ونظر إلى وجه الطفل، ثم نظر إليّ وتردد. لم يكن ذلك شفقة، ربما كان إرهاقًا، أو شيئًا ما بداخله لم تُكــ,,ـــــسره . بقي بلا حراك لبضع ثوانٍ، ثم استدار وغادر الغرفة حاملًا ابني بين ذراعيه. تُركتُ وحدي، أنرف وأرتجف، لا أعرف إن كان لا يزال يتنفس.
لقد أنجبتُ للتو على طاولة معدنية، دون راحة أو يقين. ماذا حدث لذلك المولود؟ لماذا تردد بعض الجنود بينما لم يتردد آخرون؟ الحقيقة أشدّ إيلامًا مما تتخيل. بقيتُ على تلك الطاولة لأكثر من ساعة. لم يأتِ أحدٌ لتنظيفي أو الاطمئنان عليّ. كنتُ وحيدة، جسدي منهك وذراعاي فارغتان، يطاردني صدى تلك الصىرخة الحادة التي اختفت معه. في التاسعة صباحًا، أمرني حارس بالنهوض واصطحبني إلى الثكنات. بالكاد كنتُ أستطيع المشي؛ كل خطوة كانت مؤلمة للغاية، لكن لم يُسمح لي بالانىهيارعند عودتنا إلى الثكنات، لم تنبس النساء الأخريات ببنت شفة. كنّ يعلمن. لقد رأين أخريات يعدن على هذا النحو، بعيون خاوية. لم تتحدث أي منهن عن أطفالها، لأن الحديث عنهم كان بمثابة اعتراف بوجودهم وقبول احتمال زوالهم. استلقيت وأغمضت عيني، وأنا أسترجع في ذهني تردد الجندي ويديه وهما يمسكان ابني. لماذا تردد؟
بعد ثلاثة أيام، أُخذت مارغريت، وهي امرأة من بريتاني، بعيدًا. عادت بعد ست ساعات، بدون طفلها، تحدق في السقف وكأن شيئًا ما بداخلها قد توقف. في تلك الليلة، تسللت بهدوء وألقت بنفسها على الأسلاك الشائكة المكهربة. اختار البعض المــ,,ـــــوت، ونجا آخرون، لكن لم يعد أحد سالمًالأيام، كنت أصغي لأدنى إشارة، لأخف صىرخة قادمة من الجناح الطبي. ثم، في صباح أحد الأيام، عاد الجندي نفسه وأشار لي لأتبعه. ظننت أنها النهاية. لكنه قادني إلى غرفة صغيرة في مؤخرة الجناح الطبي، حيث كانت هناك ستة أسرّة بدائية. في أحدها، رأيت ابني. كان حيًا. انهرتُ، أبكي بصمت. قال لي الجندي: “أمامك دقيقتان”. دقيقتان لأحىضنه، لأحىفر وجهه في ذاكرتي. كان دافئًا، هشًا. ضممته إليّ، أشعر بأنفاسه، مدركةً أن هذه اللحظة، على الأقل، موجودة. بقي الجندي عند الباب، ناظرًا بعيدًا. عندما انتهى الوقت، كان عليّ أن أعيد ابني إلى ذلك السىرير المتسىخ. قبل أن أغادر، سألته عن اسمه.
في تلك الليلة، تساءلتُ لماذا يُبقون بعض الأطفال على قيد الحياة ويفصلونهم عن أمهاتهم. أي نوع من الرعاية هذا؟ بعد يومين، أنجبت سيمون، وهي امرأة باريسية تبلغ من العمر عشرين عامًا، طفلها. لم يُصدر طفلها أي صوت. عادت إلى المنزل وعيناها خاليتان تمامًا من أي تعبير. توفيت بعد ثلاثة أسابيع، رسميًا بسبب الزحار، لكننا كنا نعلم أن المرء قد يمــ,,ـــــوت من الحزن.








