Uncategorized

مـرات الاب ج 1 حكـايات إنجـي الخطيـب

الجيران كلهم بقوا يتفوا عليهم ويهزقوهم، وسيد وأمه بقوا مكومين في الأرض في صالة الشقة زي الفئران الجـ,ـربانة، وأنا قاعدة في حضـ,ـن بابا، بصلهم بكـ,ـسرة بس بانتصار، وأنا عارفة إن حق أمي وحقي رجع، وإن ربنا نجاني من أوـ,ـسخ مؤامرة كانت هتدـ,ـمر مستقبلي وحياتي.

*********’

مقالات ذات صلة

البوليس جه في ثواني، العمارة كلها كانت مقلوبة والناس واقفة على السلم بتتفرج على عنايات وابنها وهم نازلين متكلبشين. عنايات كانت بتصوت وتلطـ,ـم على وشها وتعمل مظـ,ـلومة: “يا ناس يا عالم ده ابني مظـ,ـلوم! دي البنت اللي متبلية عليه عشان مش عايزاه!” لكن محدش من الجيران صدقها، والكل كان بيبص لهم بقرف ويتف عليهم.

بابا أخدني في حضنه وركبنا بوكس الشرطة ورحنا على القسم. طول الطريق كنت بترعش ومش قادرة أصلب طولي، وبابا مكنش سايب إيدي، كان بايس عليها ودموعه نازلة على رجله وهو بيقولي: “سامحيني يا بنتي.. أنا السبب.. أنا اللي دخلت الأشكال دي بيتنا وعميت عن طمـ,ـعهم.. وحقك وحق أمك هجيبهولك تالت ومتلت.”

في القسم، رئيس المباحث أول ما شاف حالتي وشاف بابا وهو راجل تاجر ومحترم ومعروف في المنطقة، دخلنا مكتبه فوراً وجابلي كوباية عصير ولين معايا الكلام عشان أقدر أتكلم. وقفت بثقة ودموعي في عيني وحكيت كل حاجة من طققطق لسلام عليكم، حكيت عن خطة عنايات وحبـ,ـسها ليا، وعن كلام سيد وهو بيقرب مني وعايز يكـ,ـسر عيني عشان يتجوزني غصب.

سيد جوه في التحقيق انـ,ـهار تماماً، وبدأ يعترف على أمه من كتر الخوف والضرب اللي أخده من الجيران وبابا: “أمي هي السبب يا باشا! هي اللي قفلت الباب وقالتلي ادخل واعمل كده عشان تضمن ثروة الحاج محمود، أنا مكنتش عايز أعمل حاجة!”

عنايات لما لقت ابنها لبسها في الحيط بدأت تصرخ وتغلط فينا، والنيابة أمرت بحبـ,ـسهم 4 أيام على ذمة التحقيق بتهـ,ـمة احتجاز هـ,ـتك عرض وشروع في اغـ,ـتصاب ومؤامرة.

رجعنا البيت الفجر، الشقة كانت فاضية من ريحتهم المقرفة. بابا دخلني أوـ,ـضتي وقعد جمبي على السـ,ـرير، مسح على شعري وقال بصوت كله حنية: “من بكرة الشقة دي هتتقفل يا سارة، وهنقلب ورقها بيع وشراء، وهشتريلك شـ,ـقة تانية جمب كليتك.. مش عايزك تفتكري أي حاجة من اليوم الأسود ده. أنتي دكتورة المستقبل، ومفيش كلب زي ده كان يقدر يكـ,ـسر عينك طول ما أنا عايش على وش الدنيا.”

أنا نمت يومها في حضـ,ـن بابا وأنا حاسة بأمان م حسيـ,ـتهوش من يوم ما ماما مـ,ـاتت. وعرفت إن ربنا وقف معايا ونجاني عشان حلمي وحلم أمي ميتكسرش، والحمد لله، عنايات وابنها أخدوا حكم محترم ولبسوا الأبيض، وأنا رجعت لكليتي وراسي مرـ,ـفوعة وسط الدنيا كلها.

*********

مرت الأيام، والمحكمة جابت لنا حقنا تالت ومتلت. سيد وأمه أخدوا حكم مشدد بالحبس والأشغال الشاقة، والمنطقة كلها بقت تتكلم عن نهاية الطمع والغل اللي كان في قلب عنايات، وبقى الكل يعمل لنا ألف حساب ويبص لي بنظرة فخر وإعجاب إني وقفت ومتهزتش.

بابا نفذ وعده ليا بالحرف الواحد؛ قفلنا الشـ,ـقة القديمة بكل ذكرياتها القاسية، واشترى لي شـ,ـقة واسعة وفيها روح حلوة في حي هادي قريب جداً من جامعة عين شمس عشان متبهدلش في المواصلات. بابا بقى كل تركيزه في الدنيا معايا أنا وبس، كأنه بيعوضني عن كل لحظة أهملني فيها أو وثق في الناس الغلط.

أول يوم دخلت فيه مدرج الكلية بعد الأزمة دي، كنت حاسة إن عيون الناس كلها عليا، لكن نظرات زمايلي ودكاترتي كانت كلها دعم وتشجيع. الدكتورة ميرفت، رئيسة القسم عندنا، عرفت باللي حصل وطلبتني في مكتبها، أول ما دخلت أخدتني في حضنها وقالت لي كلام عمري ما هنساه: “يا سارة، الطبيب الناجح هو اللي بيعـ,ـرف يمر بالأزمات ويطلع منها أقوى. أنتي مشروع دكتورة شاطرة وقوية، متخليش أي حاجة في الدنيا تعطلك عن حلمك.”

كلامها كان زي البلـ,ـسم على قلبي، وفجرت جوايا طاقة تحدي مش طبيعية. بقيت أطبق باليوم واليومين فوق الكتب، أذاكر بقلب ومجهود مضاعف، مكنتش بشوف قدامي غير البالطو الأبيض واليوم اللي هرفع فيه رأس بابا ورأس ماما الله يرحمها في قبراها.

وعدت السنين لمحة بصر، بين امتحانات صعبة، ومحاضرات طويلة، وسهر وتعب، وبابا واقف في ضهري زي الجبل، بيصحى معايا الفجر يعمل لي القهوة ويدعي لي، ويقولي: “هانت يا دكتورة سارة، هانت يا قلب أبوكي.”

لحد ما جه اليوم الكبير.. يوم التخرج.

القاعة كانت مليانة ناس وزغاريط وأغاني النجاح مسمعة في كل مكان. كنت واقفة بروب التخرج الأسود والقبامعة، وبابا قاعد في الصف الأول، عيونه مليانة دموع فرحة حقيقية، وشه منور فخر وهو شايف بنته الوحيدة واقفة على المسرح وبيتنادى على اسمها: “الطالبة سارة محمود.. الأولى على الدفعة مع مرتبة الشرف.”

أول ما مسكت شهادتي، مروحتش لعميد الكلية ولا للضيوف، أنا نزلت جري من على المسرح وارتميت في حضن بابا قدام الدفعة كلها. بكينا مع بعض كأننا بنغسل كل الوجع والخوف اللي عشناه زمان. بابا رفع راسي بايده وباس جبهتي وقال بصوت عالي والكل بيسقف لنا: “مبروك يا دكتورة.. مبروك يا بنت الأصول، النهاردة أمك روحتها ارتاحت، والكلب اللي كان عايز يكسر عينك، أنتي كسرتي عينه وعين الدنيا كلها بنجاحك وأدبك.”

وفعلاً، عرفت يومها إن ربنا لما بيبتلي البني آدم، بيبقى شايل له تعويض أكبر بكتير مما يتخيل، وإن الضـ,ـربة اللي متمـ,ـوتش.. بتقوي وبتصنع أبطال.

***********

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى