أخبار

في عام 1995 رحل تركها وحيدة مع خمسة

اقترب أحد أبنائها وجلس قربها ثم قال بصوت خافت: “أمي، هل تشعرين الآن أنك انتصرتِ؟”.
رفعت رأسها نحوه، عيناها تلمعان بضوء يشبه ضوء القمر على سطح الماء ثم قالت: “يا بني، النصر الحقيقي ليس أن ينتصر الإنسان على الآخرين، بل أن يتجاوز ألمه. وأنا اليوم فقط أشعر أني انتصرت. أنتم نصري الحقيقي”.
تنهدت بعمق وكأنها تفرغ آخر ذرة تعب بقيت في قلبها ثم قالت: “الحقيقة يا ولدي لا تموت، حتى لو غابت ثلاثين سنة”.

شجرة الصبر المثمرة
انتشرت الوثائق والقرارات الرسمية التي أثبتت براءة الأم ونسب الأبناء في كل مكان، ولم يعد في البلدة أحد يجهل الحقيقة. وخلال الأيام التالية، بدأت زيارات تصل إلى منزلها، نساء جئن اليوم يحملن كلمات اعتذار مرتبكة، إحداهن قالت بصوت خافت: “سامحينا، كنا مخطئين”.
ابتسمت الأم ابتسامة صغيرة وقالت بملامح ثابتة: “سامحتكن منذ زمن، لأني لم أرد أن أحمل أثقال أحد”. فالتسامح لم يكن ضعفاً، بل كان ترفعاً عن الألم.

مقالات ذات صلة

وفي إحدى الأمسيات، اجتمع الأبناء حولها مجدداً، تحدث كل واحد منهم عما تغير داخله.
قال المعماري: “أشعر اليوم أن كل ما بنيته كان مقدمة لهذه اللحظة”.
وقالت المحامية: “كنت أبحث عن العدالة لغيري، واليوم اكتملت العدالة التي تخصنا”.
أما الفنان فقد قال وهو ينظر إلى يديها المتعبتين: “كل لوحة رسمتها كانت محاولة لتجسيد عطائك”.
ابتسمت الأم برقة وقالت: “يا أبنائي، أنا لم أكن قوية وحدي، أنتم كنتم قوتي”.

وقفت الأم تنظر إلى شجرة الياسمين في الفناء، كانت صغيرة يوم زرعتها يوم رحل والدهم، واليوم أصبحت الشجرة عملاقة تظلل الفناء، لمست جذعها برفق ثم قالت: “هكذا يفعل الصبر، ينمو ببطء لكنه يصبح شجرة لا تكسر”.

وصلت قصتها إلى القرى والمدن، وصارت تروى كنموذج في الأخلاق والصبر والقوة. حكاية تقول بأصوات ستة قلوب: إن الحب أطول عمراً من الجفاء، وإن الصبر أقوى من الظروف، وإن الحقيقة تعود في النهاية لتعلو فوق كل شيء. وهكذا طوت الأم آخر صفحة من حكايتها، بقلب ظل واقفاً رغم كل العواصف، مستقرة ومحاطة بأبنائها الذين بنوا مستقبلاً ناجحاً باسمها.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى