روايات

أبويا الغني

اسمي سوسن، وعندي ٤٠ سنة، وأمي وأنا عندي ٦ سنين، ومن وقتها وأنا بتنقل من دار رعاية للتانية، ومكنتش أعرف تقريبًا أي حاجة عن أبويا.

 

لحد ما في يوم، راجل لابس بدلة غالية خبط على بابي وقال:

أبوكي، اسمه حسن، بقاله سنين بيدور عليكي. هو مريض جداً، وآخر أمنية ليه إنه يشوف بنته.

 

بصيت له كأني مش فاهمة هو بيتكلم عن مين.

لكن المحامي أكد لي إن مفيش أي غلطة.

 

وبعد يومين، لقيت نفسي واقفة قدام قصر فخم، تمنه أكتر من قيمة كل حاجة امتلكتها في حياتي كلها.

 

فتحت الباب ست جميلة في التلاتينات.

بصتلي من فوق لتحت وقالت:

إنتِ سوسن؟ أنا كارولين… بنت حسن.

 

أبويا ماكانش قضى السنين دي كلها لوحده وهو ندمان على البنت اللي ضاعت منه.

لأ.

هو كان عامل عيلة تانية كاملة.

بس واضح إن مكنش فيه مكان ليا وسطهم.

 

ولما دخلت أوضته أخيرًا، لقيت أبويا أصغر بكتير مما كنت متخيلة.

عينيه اتمَلوا دموع.

وقال بصوت ضعيف:

إنتِ شبه أمك بالظبط.

 

ماقدرتش حتى أقعد.

سألته:

كنت عارف أنا فين؟

قال:

أيوه.

الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة تكسرني.

 

صرخت فيه:

كنت عارف؟! أنا كنت بنام وأنا جعانة! كنت بقضي أعياد وأنا وسط ناس غريبة! كنت بلبس الحذاء لحد ما نعله يتقطع… وإنت كنت عايش في القصر ده؟!

 

لفيت ناحية الباب عشان أمشي، لكنه مسك إيدي بإيده الضعيفة.

وقال بصوت مكسور:

معنديش أي عذر… ومليش حق أطلب منك حاجة. بس أرجوكي… اديني السبع أيام دول.

 

كان المفروض أمشي.

لكنني فضلت.

 

والغريب إن خلال الأسبوع ده، الراجل اللي كرهته طول عمري بدأ يتحول قدامي من مجرد أبويا اللي سابني لأب فعلًا.

قعدنا بالساعات نتكلم عن السنين اللي ضاعت من عمرنا.

 

وفي يوم، كارولين وقفتلي في الطرقة وقالت:

إنتِ بقالك ست أيام هنا، وفجأة بابا مبقاش عايز حد جنبه غيرك. إنتِ مستنية إيه بالظبط بعد ما يمشي؟

 

بصيت لها وقلت:

نفس الحاجة اللي أخدتها منه طول عمري… ولا حاجة.

وكنت بتكلم بجد.

 

لحد اللحظة دي، مكنتش فاهمة ليه أبويا قرر فجأة يدور عليا بعد كل السنين دي.

 

وفي الليلة دي، أبويا طلب مني أدخل أوضته.

وبعدين شدني لحضنه وقال بصوت واطي:

أنا عارف إنك بتكرهيني… بس قريب هتفهمي كل حاجة.

 

حاولت أهديه، لكن كلامي ماقدرش يطمنه.

ودي كانت آخر كلمات أبويا قالها ليا.

بعد كام ساعة… .

 

عدت عليا كأنها حلم.

وكل اللي كنت عايزاه إني ألم حاجتي وأمشي من القصر ده للأبد.

لكن وأنا في أوضتي، دخل نفس المحامي اللي كان جابني للمكان.

ومن نظرة عينه، عرفت إن فيه حاجة غلط.

 

سألني:

أبوكي طلب منك تفضلي معاه آخر أسبوع في حياته؟

قلت:

أيوه.

قال:

وفضلتي بإرادتك؟

رديت باستغراب:

أيوه… بس ليه بتسأل؟

بصلي بنظرة غريبة، وبعدين قال:

سوسن… إنتِ دخلتي بنفسك في الخطة اللي أبوكي رتبها.

 

الدم اتجمد في عروقي.

المحامي كمل بصوت واطي:

أبوكي سايب تعليمات محددة جدًا… وكان عارف بالظبط إنتِ هتعملي إيه أول ما تيجي هنا.

وبعدين حط ظرف سميك قدامي على الترابيزة.

وقال:

لأنه دلوقتي… مبقاش من حقك ترفضي اللي أبوكي بدأه.

 

فتحت الظرف بإيدين بتترعش، لكن قبل ما أخرج الورقة الأولى، المحامي مد إيده وقال:

استني… لازم تعرفي حاجة قبل ما تقري.

رفعت عيني له وقلت:

إيه؟

اتنهد وقال:

أبوكي ماكتبش وصية عادية.

سألته وأنا مش فاهمة:

يعني إيه؟

بص ناحية باب الأوضة، كأنه خايف حد يسمعنا، وقال:

الوصية دي اتكتبت من تلات شهور… وكان فيها اسمك.

اتجمدت مكاني.

من تلات شهور؟! بس هو ماكانش حتى يعرفني وقتها!

المحامي سكت ثواني، وبعدين قال:

كان يعرفك أكتر مما تتخيلي.

 

فتحت الورقة بسرعة.

أول سطر كان:

إلى ابنتي سوسن… إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني .

حسيت إن نفسي اتقطع.

 

كملت القراءة:

أول حاجة هتسألي عنها هي ليه رجعت لكِ بعد 34 سنة؟

بلعت ريقي.

والإجابة مش هتعجبك… لأنني لم أبحث عنك لأعطيكِ ما حُرمتِ منه، ولم أستدعكِ إلى بيتي بدافع الندم وحده.

 

رفعت عيني للمحامي.

هو كان عايز مني إيه؟

قال بهدوء:

كملي.

 

رجعت للورقة:

يا سوسن… طوال السنوات الماضية، كنت أراقب حياتك من بعيد. كنت أعرف أين عشتِ، ومتى خرجتِ من دار الرعاية، وأين عملتِ… لكن كان هناك سبب منعني من الاقتراب منك.

إيدي بدأت تبرد.

والسبب موجود في هذا القصر.

 

رفعت رأسي وبصيت حواليا.

القصر.

كارولين.

الموظفين.

الأوضة اللي نمت فيها.

كل حاجة فجأة بقت مخيفة.

 

المحامي قال:

لسه ماخلصناش.

وقلب الصفحة.

كان فيه سطر واحد مكتوب بخط أبويا:

أول شخص ستثق به سوسن بعد رحيلي… هو الشخص الذي يجب ألا تثق به.

 

اتسمرت عيني على الجملة.

وقلت:

هو يقصد مين؟

المحامي ما ردش.

 

وفجأة…

اتسمع صوت خبطة قوية على باب الأوضة.

فتح الباب واحد من العاملين، ووشه كان شاحب.

وقال للمحامي:

أستاذ فؤاد… في مشكلة.

المحامي وقف بسرعة.

إيه اللي حصل؟

الرجل بصلي، وبعدين قال:

الشرطة وصلت.

 

استغربت:

شرطة؟ ليه؟

لكن قبل ما يرد، ظهر ضابط عند باب الأوضة وقال:

سوسن حسن؟

قلت:

أيوه.

مد إيده بورقة وقال:

حضرتك مطلوب منك تيجي معانا.

قلبي وقع.

ليه؟ أنا عملت إيه؟

الضابط بص للمحامي، ثم رجع بصلي وقال:

إنتِ مطلوبة في قضية اتفتحت من أكتر من عشرين سنة.

اتجمدت.

قضية إيه؟

الضابط قال جملة خلتني أحس إن الأرض اختفت من تحتي:

اختفاء شخص… أبوكي كان آخر واحد شافه.

 

لكن المحامي فجأة وقف قدام الضابط وقال:

مستحيل تاخدوها قبل ما تشوف الصفحة الأخيرة.

الضابط اتوتر وسأله:

صفحة إيه؟

المحامي فتح الظرف، وأخرج ورقة صغيرة مخبّية بين الصفحات.

وقال:

الصفحة اللي تثبت إن سوسن… مش المتهمة.

وبعدين بصلي وقال:

لكنها الشاهدة الوحيدة اللي ممكن تكشف مين المسؤول الحقيقي.

 

وقبل ما أفهم أي حاجة…

المحامي حط الورقة قدامي.

وكان عليها اسم واحد فقط.

كارولين.

 

بصيت للاسم المكتوب على الورقة، وحسيت إن قلبي هيخرج من مكانه.

كارولين؟!

المحامي أشار لي إني أوطي صوتي.

متقوليش اسمها قدام حد.

 

بصيت للضابط، لقيته واقف مكانه وكأنه مستني يشوف رد فعلي.

قلت:

أنا مش فاهمة حاجة… كارولين أختي.

المحامي رد بسرعة:

أيوه، وده بالضبط اللي هيخلي اللي حصل أصعب.

 

فجأة سمعت صوت خطوات في الممر.

كارولين ظهرت عند الباب.

كانت هادية بشكل غريب، ووشها مفيهوش أي علامة خوف.

قالت:

إيه اللي بيحصل هنا؟

الضابط بص لها وقال:

لسه التحقيق بدأ.

كارولين ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:

أكيد حصل سوء تفاهم.

لكن المحامي فتح الورقة قدامها.

أول ما شافت اسمها، وشها اتغير.

ولأول مرة منذ دخلت القصر، شفت القلق الحقيقي في عينيها.

قالت بصوت مرتجف:

إنت لقيتها؟

المحامي رد:

أبوكي هو اللي لقاها… قبل ما يرحل.

كارولين قربت خطوة.

هو قالك إيه؟

المحامي قال:

قال لي إن لو حصل له أي حاجة، لازم أوصل سوسن للحقيقة.

كارولين سكتت.

وبعدين قالت:

أي حقيقة؟

المحامي بص لها طويلًا وقال:

إنتِ أدرى.

 

وفجأة الضابط طلب من كارولين تفضل مكانها.

أما أنا، فكنت واقفة مش قادرة أستوعب.

كل الأسئلة اللي عشت بيها أربعين سنة بدأت ترجع في دماغي.

ليه أبويا اختفى؟

ليه سابني؟

ليه كان بيراقبني من بعيد؟

وليه استدعاني قبل رحيله بأسبوع واحد بالذات؟

 

بصيت للمحامي وقلت:

أنا عايزة أعرف كل حاجة.

قال:

هتعرفي… بس مش هنا.

ليه؟

قرب مني وقال بصوت منخفض:

لأن القصر ده متراقب.

اتلفت حواليا بصدمة.

مين بيراقبه؟

قال:

الشخص اللي أبوكي كان قلقان منه.

 

قبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت زجاج بيتكسر من الدور التاني.

الكل اتجمد.

الضابط سحب جهاز الاتصال وقال:

محدش يتحرك.

بعد ثواني، جري أحد الحراس على السلم.

وبعدها سمعنا صرخة عالية.

جريت ناحية السلم من غير ما أفكر، لكن الضابط وقفني.

ارجعي!

 

الحارس نزل وهو بيجري، ووشه أبيض.

وقال:

أستاذ فؤاد… المكتب اتفتح!

المحامي اتغير لونه.

مستحيل.

طلعنا كلنا للمكتب.

الباب كان مقفول قبل دقائق.

دلوقتي كان مفتوح.

والأدراج كلها متفتحة.

والأوراق مبعثرة على الأرض.

لكن أغرب حاجة كانت إن الظرف اللي كان معايا اختفى.

بصيت لإيدي.

الصفحة الأخيرة كانت لسه معايا.

لكن باقي الأوراق… اختفت.

 

كارولين كانت واقفة بعيد، ساكتة.

وفجأة قالت:

يمكن حد دخل وأخدها.

المحامي بص لها وقال:

محدش كان يعرف إن الأوراق دي موجودة.

سكتت.

ثم التفتت ناحيتي وقالت:

إلا شخص واحد.

قلت:

مين؟

كارولين قربت مني، وقالت:

إنتِ.

 

وقبل ما أرد عليها، الضابط قال:

استنوا…

كان ماسك ظرف صغير لاقاه تحت المكتب.

فتحه.

وأخرج منه صورة قديمة جدًا.

حطها قدام عيني.

بصيت للصورة…

وكان فيها أبويا، وأمي، وأنا طفلة صغيرة.

لكن كان فيه شخص رابع واقف جنبهم.

شخص عمري ما شفته في حياتي.

وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط أبويا:

لو سوسن شافت الصورة دي، يبقى الوقت جه تعرف مين الشخص اللي أبعد عنها أبوها 34 سنة.

 

رفعت عيني للمحامي.

وقلت:

مين الراجل ده؟

المحامي فضل ساكت.

لكن كارولين همست من ورايا:

ده… جدي.

التفت لها بسرعة.

جدك؟! إزاي؟

كارولين بصتلي، وعينيها مليانة دموع.

وقالت:

لأن أبويا عمره ما كان الابن الحقيقي لحسن.

 

سكت الجميع.

وأنا حسيت إن السر اللي دفنوه 34 سنة… لسه بيبدأ يتكشف.

 

فضلت باصة لكارولين كأني مستنية منها تضحك وتقول إنها بتهزر.

لكنها ما ضحكتش.

المحامي قفل باب المكتب وقال:

اللي هيتقال هنا مش هيخرج من الأوضة دي.

بصيت له وقلت:

أنا مش فاهمة حاجة. إزاي حسن يبقى مش أبو كارولين الحقيقي؟

كارولين ردت بصوت مكسور:

حسن كان مربيّني… لكن أبويا الحقيقي توفي قبل ما أتولد.

 

سألتها:

وأبويا كان عارف؟

هزت رأسها.

كان عارف كل حاجة.

المحامي حط الصورة على المكتب وقال:

الصورة دي اتصورت قبل ولادتك بسنة.

بصيت للصورة مرة تانية.

أمي كانت واقفة جنب حسن، والشخص الغريب واقف الناحية التانية.

قلت:

طب الراجل ده مين؟

المحامي قال:

اسمه محمود.

 

تجمدت.

محمود مين؟

قال:

محمود الراوي… الشريك القديم لحسن.

كارولين شهقت.

هو؟

المحامي أومأ.

أيوه. وهو الشخص اللي اختفى في نفس السنة اللي ابتعدت فيها سوسن عن حياة حسن.

 

بصيت له بعدم تصديق.

يعني إيه اختفى؟

قال:

محمود اختفى فجأة، وبعدها بأيام حسن سلّم سوسن لدار الرعاية.

اتسعت عيني.

أبويا هو اللي سلّمني؟

المحامي سكت.

وكان السكوت كفاية.

حسيت بغضب شديد.

 

كارولين قربت مني وقالت:

هو ماكانش قادر يحميكي.

صرخت فيها:

ماكانش قادر؟! أنا كنت طفلة!

لكنها قالت جملة خلتني أسكت:

لأن اللي كان بيهددك… كان أقرب شخص ليكي.

 

بصيت لها.

مين؟

كارولين بصت للمحامي.

المحامي قال:

الاسم موجود في تسجيل أبوكي.

ثم أخرج جهاز تسجيل صغير من درج المكتب.

ضغط زر التشغيل.

اتسمع صوت أبويا.

صوت ضعيف ومتعب، لكنه واضح:

سوسن… لو بتسمعي كلامي ده، يبقى أنا رحلت.

اتحبست أنفاسي.

أنا عارف إنك هتكرهيني لما تعرفي الحقيقة… ويمكن عمرك ما تسامحيني.

صوته اتقطع لحظة.

ثم كمل:

لكن أنا أبعدتك عني عشان أحميكي.

دموعي نزلت من غير ما أحس.

كان فيه شخص في عيلتنا مستعد يعمل أي حاجة عشان يوصل لثروة العيلة… وكان شايف إن وجودك خطر على كل اللي بناه.

المحامي وقف التسجيل فجأة.

صرخت:

ليه وقفته؟!

قال:

 

 

لأن الجزء اللي بعده… لازم تسمعيه وإنتِ مستعدة.

قلت:

شغله.

بصلي للحظات، وبعدين ضغط الزر.

رجع صوت أبويا:

الشخص ده كان عارف إن سوسن هي الوريثة الوحيدة لجزء من ممتلكات أمها.

اتصدمت.

وريثة؟!

كارولين بصتلي بصدمة هي كمان.

أبويا كمل:

لكن أخطر حاجة… إن الشخص ده كان عارف إن أم سوسن تركت دليلًا يثبت ملكيتها لأموال كبيرة قبل وفاتها.

صوت التسجيل بدأ يضعف.

ثم قال أبويا آخر جملة:

والدليل ده… مخبّي في مكان سوسن عاشت فيه وهي طفلة.

وفجأة التسجيل انتهى.

 

ساد الصمت.

بصيت للمحامي وقلت:

أي مكان؟

قال:

دار الرعاية.

 

وأنا بجهز نفسي، لقيت حاجة صغيرة واقعة على الأرض جنب مكتبي.

مفتاح قديم.

وعليه رقم 17.

تحت الرقم كان محفور اسم واحد: سوسن.

 

عرفت وقتها إن أبويا ماكانش بيحاول يسيبلي ثروة.

كان بيحاول يسلّمني سرًا…

ولو السر ده وقع في إيد الشخص الغلط، ممكن يغيّر حياتي كلها.

 

مسكت المفتاح بقوة.

هو كان مخبيه من إمتى؟

المحامي قال:

غالبًا من يوم ما اتنقلتي من الدار.

قلت:

طب ليه مااداهوليش بنفسه؟

المحامي رد:

لأنه كان متأكد إن لو إنتِ عرفتي مكانه قبل الوقت المناسب… حياتك هتكون في خطر.

 

خرجنا من القصر بسرعة.

وصلنا دار الرعاية بعد حوالي ساعة.

المكان كان قديم جدًا، والمبنى تقريبًا زي ما هو رغم مرور السنين.

أول ما دخلت، حسيت بحاجة غريبة.

ريحة المكان… الممر… السلم الخشبي…

 

مشيت ناحية الممر القديم.

وفجأة وقفت.

هنا.

المحامي سألني:

إيه؟

أشرت لباب قديم.

أوضتي.

كان مكتوب على الباب رقم 17.

حطيت المفتاح في القفل.

الباب اتفتح بسهولة.

دخلت.

الأوضة كانت فاضية تقريبًا.

سرير قديم. دولاب صغير. وشباك عليه قضبان حديد.

 

مشيت ناحية الحائط.

وفجأة افتكرت حاجة.

وأنا صغيرة، كنت بخبط على الحيطة دي كل ليلة.

كنت بسمع صوت غريب وراها.

حطيت إيدي عليها.

وخبطت مرتين.

سمعت صوت مكتوم.

الضابط قرب بسرعة.

في فراغ ورا الحيطة.

المحامي بدأ يدور على أي فتحة.

وبعد دقائق، لقينا قطعة خشب صغيرة مستخبية تحت طبقة دهان.

شدوها.

ظهر تجويف صغير.

وفيه صندوق معدني أسود.

قلبي بدأ يدق بعنف.

المحامي فتحه.

جواه كان فيه ظرف قديم جدًا.

وعليه اسم:

إلى سوسن… عندما تبلغ الأربعين.

 

فتحت الظرف.

كان فيه ورقة واحدة وصورة.

قرأت:

سوسن، لو وصلتي للصندوق ده، يبقى حسن رحل، وأنا ماقدرتش أوصل لكِ بنفسي.

أنا محمود الراوي.

أنا مش عدو أبوكي… وأنا مش الشخص اللي اختفى.

 

وقبل ما أكمل، سمعنا صوت خطوات في الممر.

الضابط أشار لنا نسكت.

الخطوات قربت.

وبعدين توقفت قدام باب الغرفة.

مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء.

كارولين كانت واقفة خلفي.

وفجأة همست:

سوسن… أنا عارفة مين برا.

الباب بدأ يتفتح…

وقالت:

ده الشخص اللي أبويا كان قلقان منه طول حياته.

 

الباب اتفتح ببطء، وكلنا ثبتنا مكاننا.

ظهر راجل كبير في السن، لابس جاكت غامق، ووشه هادي بشكل يخوف.

كارولين شهقت:

عمي فريد؟!

الراجل بص لها وقال:

أيوه… أنا.

أنا بصيت للمحامي بسرعة.

ده مين؟

قال:

فريد حسن… أخو أبوكي.

اتجمدت.

أخو أبويا؟

 

فريد دخل الأوضة من غير ما يستأذن، وبص للصندوق المفتوح.

وقال:

كنت عارف إن حسن هيخبي الصندوق هنا.

المحامي وقف قدامي.

إنت كنت بتراقبنا؟

فريد ابتسم.

أنا كنت مستني اللحظة دي من سنين.

قلت بعصبية:

إنت اللي هددت أبويا؟

ابتسامته اختفت.

أبوك كان أضعف من إنه يواجه الحقيقة.

رديت:

أي حقيقة؟!

بصلي مباشرة.

إن أمك ما توفيت وهي فقيرة زي ما اتقالك.

سكت الجميع.

 

فريد قال:

أمك كانت تملك نصيبًا كبيرًا من شركة العيلة. وبعد وفاتها، حسن حاول يحافظ على حقك.

المحامي قاطعه:

لكن فريد كان عايز يستولي على كل شيء.

 

كارولين قالت:

عمي… كفاية.

فريد التفت لها.

إنتِ لسه فاكرة إن أبوكي هو حسن؟

كارولين سكتت.

أنا قربت منها.

إنتِ عارفة حاجة؟

ما ردتش.

فريد قال:

كارولين عارفة أكتر مما قالت لك.

 

كارولين دموعها نزلت.

وقالت:

أنا كنت موجودة يوم آخر مرة شفت فيها أمك.

اتصدمت.

إنتِ؟!

هزت رأسها.

كنت طفلة… بس فاكرة.

المحامي سألها:

ليه ماقولتيش الكلام ده قبل كده؟

قالت:

لأن أبويا الحقيقي هددني.

 

كارولين طلعت من جيبها مفتاح صغير.

وحطته في إيدي.

قالت:

ده كان مع أمي… وأبويا حاول ياخده مني سنين.

بصيت للمفتاح.

كان عليه رقم مختلف: 41.

المحامي اتصدم.

الغرفة 41…

 

فجأة اندفع فريد ناحية كارولين.

لكن الضابط أمسكه.

وفي اللحظة دي، وقع من جيب فريد ظرف صغير.

المحامي انحنى وأخده.

فتحه.

كان جواه مستند واحد.

بص فيه، وبعدين رفع عينيه لي.

وقال بصوت منخفض:

سوسن… لازم نخرج من هنا فورًا.

 

وصلنا للمبنى القديم التابع للشركة بعد ساعة.

المكان كان مهجور.

دخلت المفتاح.

الباب اتفتح.

دخلت لوحدي.

كان فيه ممر طويل، وفي نهايته باب معدني.

رقم 41 كان واضح عليه.

فتحت الباب.

الأوضة كانت مليانة صناديق.

وفوق أول صندوق، لقيت ورقة بخط أمي.

مسكتها وبدأت أقرأ:

لو سوسن وصلت للمكان ده، يبقى حسن فشل في حمايتها.

لكن لو وصلتِ يا سوسن، متصدقيش أول شخص يقولك إنه عارف الحقيقة.

وكان آخر سطر:

ابحثي عن الصندوق رقم 6… لأن فيه الحقيقة اللي حسن خاف منها.

 

بدأت أدور.

لحد ما وصلت للصندوق رقم 6.

فتحته.

جواه ملف وصور.

لكن أول صورة شفتها خلت إيدي ترتعش.

كانت أمي واقفة أمام مستشفى.

وبجانبها حسن.

وبينهم… طفلة صغيرة.

قلبت الصورة.

وكان مكتوب خلفها:

اليوم الذي قررنا فيه إخفاء حقيقة سوسن.

 

وفجأة سمعت صوت باب الأوضة بيتقفل من الخارج.

جريت عليه.

كان مقفول.

صرخت:

مين هناك؟!

ولا رد.

وبعدين سمعت صوت شخص من خلف الباب:

أخيرًا عرفتي مكان الصندوق.

صوت مألوف جدًا.

عرفته فورًا.

كان صوت أبويا.

لكن أبويا كان قد توفي.

 

مديت إيدي ناحية الجهاز…

لكن أول ما لمسته، اشتغل تسجيل صوتي.

وكان صوت أبويا.

قال:

لو سمعتي التسجيل ده، يبقى فريد عرف مكانك… لكن اللي إنتِ لسه ماعرفتيهوش هو أخطر جزء في الحكاية.

ثم سكت ثواني.

وقال:

كارولين مش بنتي الوحيدة.

التسجيل كمل:

وليّا بنت تانية… عايشة بينكم من سنين.

 

المحامي فتح الجزء السفلي من الصندوق.

ولقينا جهاز صغير جدًا.

ظهرت على شاشته كلمة واحدة: سوسن.

اشتغل تسجيل صوتي.

وكان صوت أبويا.

قال:

لو سمعتي التسجيل ده، يبقى الشخص اللي وثقت فيه وصل قبلك.

وبعدها سكت.

ثم قال:

سوسن… متدوريش على البنت التالتة.

لأنها مش شخص غريب.

هي موجودة قدامك من زمان.

 

الباب اتفتح.

دخل المحامي.

خرجت معاه.

المحامي فتح الملف اللي أخدناه من الغرفة.

وأخرج ورقة.

دي نتيجة تحليل قديم.

بصيت للورقة.

كان فيها اسمين.

حسن… وسوسن.

وتحتهم:

لا توجد صلة بيولوجية.

وقعت الورقة من إيدي.

بصيت للمحامي.

يعني إيه؟

قال:

حسن مش أبوكي البيولوجي.

 

سكت.

كل حاجة في حياتي فجأة بقت بلا معنى.

طب ليه قال إنه أبويا؟

المحامي رد:

لأنه كان أبوكي بالفعل… حتى لو مش بالدم.

 

وفجأة تليفون كارولين رن.

فتحت الرسالة.

وشها اصفر.

الرسالة كانت من رقم مجهول:

سوسن عرفت إن حسن مش أبوها… لكن لسه ماعرفتش مين أبوها الحقيقي.

وتحتها صورة.

صورة قديمة لأمي.

وبجانبها رجل آخر.

أول ما شفت وشه… اتجمدت.

لأن الرجل ده… كان نفس الشخص اللي ظهر في صورة عيلتي من 34 سنة.

محمود الراوي.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر الأخير:

محمود مش اختفى… محمود عايش.

 

وفي اللحظة دي، سمعنا صوت عربية بتقف قدام القصر.

والباب الأمامي اتفتح.

دخل رجل مسن، لكنه كان واقف بثبات.

بصلي مباشرة.

وقال:

سوسن… أنا أبوكي.

 

فضلت واقفة مكاني، مش قادرة حتى أرمش.

بصيت للرجل قدامي، وبعدين للصورة اللي في إيدي.

نفس الملامح.

نفس العينين.

لكن عقلي كان بيرفض يصدق.

قلت بصوت مرتعش:

إنت… محمود؟

هز رأسه.

أيوه.

 

قرب خطوة، لكن المحامي وقف بيني وبينه.

وقال بحزم:

متقربش منها.

محمود وقف مكانه وقال:

أنا مش جاي أؤذيها.

صرخت:

أمال جاي ليه؟!

بصلي بحزن وقال:

عشان أصلح حاجة كان لازم تتصلح من 34 سنة.

 

محمود قال:

مش معايا.

ثم بص لي.

الدليل معاها.

اتجمدت.

معايا أنا؟

أومأ.

أبوك حسن خبّى الدليل الحقيقي عندك من يوم ما كنتِ طفلة.

المحامي قال:

إيه الدليل؟

محمود رد:

حاجة سوسن نفسها احتفظت بيها من غير ما تعرف قيمتها.

 

بدأت أفتكر حاجات طفولتي.

عروستي القديمة.

سلسلة صغيرة كانت أمي علقتها في رقبتي.

علبة خشب كنت بحط فيها حاجاتي.

قلت:

أنا ماكانش عندي حاجة من أمي.

محمود ابتسم بحزن.

كان عندك.

 

ثم قال:

لكن حسن طلب من دار الرعاية يحتفظوا بحاجة واحدة بعيد عنك.

اتسعت عيني.

إيه؟

قبل ما يرد، المحامي فجأة قال:

السلسلة.

بصيت له.

إنت عارفها؟

قال:

حسن وراني صورتها قبل رحيله.

محمود أضاف:

السلسلة دي مش مجرد ذكرى.

قلت:

أمال إيه؟

قال:

جواها مفتاح.

 

طلعت السلم بسرعة.

دخلت الأوضة.

بدأت أفتح الأدراج.

ثم افتكرت جملة أبويا قبل رحيله:

قريب هتفهمي كل حاجة.

وقفت وسط الأوضة.

بصيت للسرير.

وفجأة لاحظت إن واحد من ألواح الأرضية شكله مختلف.

انحنيت.

حركته.

ظهر تجويف صغير.

وجواه صندوق خشبي.

فتحت الصندوق.

كانت السلسلة موجودة.

لكن بجانبها ورقة مطوية.

فتحتها.

وكان مكتوب بخط أمي:

سوسن، لو وصلتي للسلسلة دي، متروحيش للخزنة لوحدك… لأن الشخص اللي حماكي طول السنين مش هو الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه بيحميكي.

وتحت الجملة كان فيه اسم واحد.

اسم الشخص الذي لم أتوقعه أبدًا.

كارولين.

 

وقبل ما أستوعب، سمعت صوت كارولين من خلفي:

سوسن… اقفلي الصندوق.

استدرت ببطء.

كانت واقفة عند الباب.

وشكلها المرة دي كان مختلف تمامًا.

قالت:

لازم أقولك الحقيقة قبل ما تروحي للخزنة.

ثم أغلقت الباب خلفها.

وقالت:

أنا عارفة مين أخفى الحقيقة دي من 34 سنة… وعارفة ليه أبوكي اضطر يستدعيكي قبل رحيله بأسبوع.

وسكتت لحظة.

ثم قالت:

بس لو قلتلك اسمه دلوقتي… حياتك مش هتكون زي الأول.

 

بصيت لكارولين، وقلبي بيدق بعنف.

قولي.

هزت رأسها.

مش هنا.

قلت بعصبية:

أنا تعبت من كلمة مش هنا! كل واحد فيكم مخبي حاجة عني!

كارولين قربت مني وقالت:

أنا مش عايزة أخبي تاني.

ثم أشارت للسلسلة.

دي مش مجرد مفتاح للخزنة.

مسكت السلسلة.

جواها جزء صغير من ورقة.

فتحت الجزء الخلفي منها، وفعلاً لقيت قطعة ورق مطوية بعناية.

فتحتها.

كان عليها عنوان قديم.

وعليه اسم شركة.

المحامي لما شافه اتصدم.

الشركة دي اتقفلت من 30 سنة.

كارولين قالت:

لكن ملكيتها ما اختفتش.

سألت:

يعني إيه؟

قالت:

أمك كانت شريكة فيها.

بصيت للورقة.

وأبويا؟

كارولين ردت:

حسن كان مجرد وصي على نصيبك.

سكت.

يعني كل اللي في القصر… مش كله بتاع حسن.

ثم أضافت:

جزء كبير منه كان حقك من البداية.

 

كارولين قربت مني وقالت:

لازم نروح للخزنة قبل فريد.

المحامي وصل في اللحظة دي.

بص للسلسلة وقال:

الخزنة موجودة في مبنى الشركة القديم.

قلت:

إحنا هنروح دلوقتي.

 

محمود وقف عند الباب وقال:

أنا جاي معاكم.

خرجنا جميعًا.

لكن قبل ما نوصل للعربية، تليفوني رن.

رقم مجهول.

رديت.

سمعت صوت رجل يقول:

سوسن… لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن أمك، متروحيش مع المحامي.

اتجمدت.

سألته:

مين؟

قال:

الشخص الوحيد اللي كان موجود ليلة رحيل أمك.

ثم أغلق الخط.

 

المحامي قال:

أنا كنت موجود فعلًا ليلة رحيل أمك.

سكت لحظة.

ثم أضاف:

وأبوك طلب مني أخفي عنك اللي شوفته في الليلة دي.

رفعت عيني له.

وشفت إيه؟

بص لي في عيني وقال:

شفت شخصًا يدخل غرفة أمك…

 

محمود تدخل:

الشخص ده كان فريد.

لكن المحامي هز رأسه.

مش فريد.

 

وصلنا للغرفة القديمة.

حطيت السلسلة في القفل الصغير.

سمعنا صوت طقة.

جزء من الحائط اتحرك.

ظهرت خزنة حديدية.

المحامي قال:

حسن كان الوحيد اللي يعرف الرقم.

قلت:

طب إزاي هنفتحها؟

محمود قال:

سوسن.

بصيت له.

إنتِ الرقم.

استغربت.

أنا؟

قال:

الرقم موجود في حياتك من غير ما تعرفي.

افتكرت فورًا:

رقم غرفتي في الدار… 17.

رقم الغرفة في الشركة… 41.

والرقم الثالث اللي كتبه أبويا… 3.

جربت 17413

الخزنة فتحت.

كلنا سكتنا.

جواها كان فيه ملفات، وصور، وشريط تسجيل قديم.

لكن في وسط كل ده كان فيه ظرف أبيض.

مكتوب عليه:

لسوسن فقط.

فتحته.

الرسالة كانت قصيرة:

بنتي… لو وصلتي للخزنة، يبقى فريد لم يعد أخطر شخص في القصة.

وقفت عن القراءة.

المحامي قال:

كملي.

تابعت:

الشخص الحقيقي كان يعرف كل تحركاتي، وكان يعرف مكانك، وكان يعرف كل خطوة هتعمليها بعد رحيلي.

بدأت إيدي ترتعش.

ولهذا السبب، لو أردتِ معرفة الحقيقة، لا تبحثي عن شخص غريب.

قلبت الورقة.

آخر سطر كان:

ابحثي عن الشخص الذي كان أول من استقبلك عندما وصلتِ إلى القصر.

 

رفعت رأسي ببطء.

الشخص اللي استقبلني أول ما وصلت… كانت كارولين فتحت لي الباب، لكن المحامي نفسه هو من جاء بي أول مرة.

 

فتح الشريط القديم ووضعه في جهاز التسجيل.

اشتغل صوت حسن.

لكن قبل ما يقول أي كلمة، سمعنا صوتًا آخر في الخلفية.

صوت امرأة.

وصوتها كان واضحًا جدًا.

قالت:

حسن… لو سوسن وصلت، لازم تعرف إنها مش بنتك.

اتجمدت.

ثم جاء صوت حسن:

أنا عارف.

صوت المرأة رد:

وأنا عارفة مين أبوها الحقيقي.

التسجيل توقف.

 

بصيت لمحمود.

ثم للمحامي.

ثم لكارولين.

لكن السؤال الوحيد اللي خرج مني كان:

مين الست دي؟

وفجأة… محمود قال:

أنا أعرف صوتها.

سألته:

مين؟

رفع عينيه نحوي، ووشه كان شاحب.

وقال:

دي… أمك.

 

فضلت واقفة مش قادرة أتكلم.

أمي؟! بس إزاي؟ إنت قلت إنها توفيت!

محمود رد بصوت مكسور:

هي توفيت فعلًا يا سوسن… لكن التسجيل ده اتعمل قبل وفاتها بفترة قصيرة.

المحامي أخرج آخر ورقة من الخزنة وقال:

حسن كان عارف إنك مش بنته بالدم، لكنه اعتبرك بنته ورباكي وحماكي من غير ما يعرفك الحقيقة.

بصيت لمحمود.

وأبويا الحقيقي؟

محمود دمعت عينه وقال:

أنا.

سكتُّ طويلًا.

ثم فهمت ليه حسن قضى سنين يراقبني، وليه استدعاني قبل رحيله، وليه قال لي قريب هتفهمي كل حاجة.

 

لكن كان لسه سؤال واحد:

طب ليه أمي أخفت الحقيقة؟

محمود قال:

لأن فريد كان عايز يسيطر على أموالها. ولما عرف إنك وريثتها، حاول يستخدمك للوصول لحقك. حسن اتفق مع أمك إنه يعلن نفسه أبوكي ويحطك بعيد عنهم لحد ما تكبري.

المحامي أضاف:

لكن حسن ماكانش قادر يبعد عنك تمامًا. كان بيتابعك من بعيد، وكل ما يطمن عليك كان يرجع.

 

بصيت للرسالة الأخيرة.

كان مكتوب فيها:

سوسن، أنا عارف إنك هتسألي ليه انتظرتِ كل ده؟ لأن الخطة اللي رتبتها لكِ لم تكن لسرقة حقك… كان لإجبار كل شخص شارك في ظلمك على الظهور.

 

فهمت وقتها.

الأسبوع اللي قضيته في القصر ماكانش مجرد أسبوع وداع.

كان خطة.

حسن استدعاني، وخلاني أظهر أمام العيلة والمحامي والخدم، وترك أدلة متسلسلة تقودنا للحقيقة.

وبالفعل، فريد ظهر وحاول يوصل للخزنة.

لكن التسجيلات والمستندات أثبتت محاولاته للاستيلاء على أموال الشركة ومحاولاته القديمة لإخفاء الحقيقة.

 

أما كارولين، فطلعت طول السنين بتحاول تساعد حسن في حمايتي، وكانت بتوصل له أخبار عني، لكنها ماكانت تعرف كل أسراره.

وأنا… لأول مرة في حياتي، عرفت إن فيه شخصين اعتبروني بنتهم رغم إن واحدًا منهما لم يكن أبي بالدم.

 

حسن توفي وهو مطمئن إن خطته نجحت.

أما محمود، فأثبتت التحاليل أنه أبي الحقيقي، لكنه ماحاولش يفرض نفسه عليّ.

قال لي:

أنا مش طالب منك تناديني بابا. أنا بس عايز فرصة أعرفك.

بصيت له وقلت:

أنا مش هقدر أعوض 34 سنة… بس ممكن نبدأ من النهارده.

 

وبعد شهور، صدر الحكم بإدانة فريد في قضايا التلاعب بالأموال والتزوير، وعادت لي الحقوق التي كانت أمي قد تركتها لي.

أما القصر، فلم أحتفظ به لنفسي.

حوّلت جزءًا منه إلى دار لرعاية الأطفال الذين لا يملكون عائلة، وكتبت على المدخل:

محدش يستحق يكبر وهو حاسس إنه متساب.

 

وفي يوم افتتاح المكان، وقفت قدام صورة حسن.

قلت له:

مكنتش أب كويس في البداية… لكنك حاولت تصلح غلطك قبل ما تمشي.

ثم ابتسمت وسط دموعي.

وأنا سامحتك.

 

وأخيرًا فهمت معنى كلام المحامي يوم رحيل أبويا:

إنتِ وقعتي في الخطة اللي رسمها لك.

هو فعلًا رسم لي خطة…

لكن الخطة ماكانتش عشان ياخد مني حاجة.

كانت عشان يخليني أرجع آخد حقي…

وأعرف أخيرًا مين أنا، ومين كانوا أهلي، وليه ابتعدت عن طفولتي 34 سنة.

 

والأهم… إنني خرجت من القصر في النهاية، مش كوريثة لرجل غني فقط…

لكن كبنت عرفت الحقيقة التي أخفاها عنها الجميع، وبدأت لأول مرة تبني حياتها بإرادتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى