
بعد أيام من المكالمة التي وصلتها، بقيت فاطمة تعيش في دوامة لم تعرف كيف تخرج منها. كانت تحاول أن تبدو طبيعية داخل البيت. تطبخ. وترتب المنزل. وتجلس مع بناتها. لكن عقلها كان في مكان آخر تمامًا. كل كلمة قالها مصطفى بقيت تدور في رأسها. خصوصًا حين قال لها أنتِ تستحقين رجلًا يعرف قيمتك. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت فاطمة أن هناك من يسمعها.
من يهتم بكلامها.
-
البيت الأبيضمنذ 21 ساعة
ومن يراها امرأة لها مشاعر، لا مجرد أم لتسعة أبناء.
أما مصطفى، فكان يعرف كيف يقترب بهدوء.
لم يكن مستعجلًا.
كان يتصرف بصبر، وكأنه يبني طريقًا طويلًا خطوة بعد خطوة.
وبعد أيام، حاول أن يتواصل معها، لكنه تذكر أنها لا تملك هاتفًا خاصًا
بها.
فاشترى هاتفًا جديدًا وشريحة اتصال، وأرسلها مع زهراء الصغيرة بطريقة لم تجعل الطفلة تفهم شيئًا.
قال لها فقط
هذا لأمك حتى تتواصل إذا احتاجت شيئًا.
أخذت زهراء الهاتف ببراءة.
أما فاطمة، فحين رأته، بقيت تنظر إليه طويلًا.
كانت تشعر أن هذا الهاتف ليس مجرد جهاز صغير.
كان بابًا جديدًا فُتح في حياتها.
وفي نفس الليلة، رن الهاتف لأول مرة.
ترددت قبل أن ترد.
ثم رفعت السماعة.
جاءها صوت مصطفى هادئًا
أردت فقط أن أطمئن عليكِ.
ومنذ تلك الليلة، بدأ كل شيء يتغير ببطء.
في البداية، كانت المكالمات قصيرة.
ثم أصبحت أطول.
ثم صار الحديث يوميًا.
حتى أصبح صوت مصطفى جزءًا من يومها.
كان يسمع شكواها.
ويزيد إحساسها بأن حياتها مع رعد لم تعد تطاق.
وكان يكرر لها
أنتِ ضيعتِ عمرك معه.
ومع مرور الوقت، بدأت فاطمة تضعف أكثر.
خصوصًا أن مع رعد لم تكن مستقرة.
كان شديد الطباع.
أحيانًا في كلامه وتصرفاته.
ومع الأيام، بدأ مصطفى يدخل البيت أكثر.
في البداية بحجة الاطمئنان.
ثم بحجة المساعدة.
ثم أصبح وجوده داخل المنزل أمرًا معتادًا.
حتى إن بعض الجيران صاروا يشاهدونه يدخل ويخرج.
لكن أحدًا لم يشك بشيء، لأن رعد نفسه كان يثق به.
بل كان يقول أمام الناس
مصطفى رجل محترم وقف معي وقت الشدة.
لكن داخل البيت، كانت الأمور تتغير بصمت.
فاطمة أصبحت تنتظر غياب زوجها حتى تتحدث مع مصطفى بحرية.
وصارت تخفي الهاتف عن الجميع.
أما مصطفى، فكان كل يوم يعرف معلومة جديدة عن البيت.
من يسكن فيه.
ومن يغادر ومتى يعود.
ومن أكثر الأبناء قربًا من رعد.
وكان يستمع لكل شيء بصمت.
وكأنه يحفظ تفاصيل العائلة واحدًا واحدًا.
مرت الشهور على هذا الحال.
حتى عادت تبارك، ابنة فاطمة، إلى بيت أهلها بعد انفصالها عن زوجها.
كانت صغيرة في السن، لكنها كانت تلاحظ كل شيء.
ومنذ الأيام الأولى، شعرت أن هناك أمرًا غير طبيعي داخل المنزل.
لاحظت ارتباك أمها كلما رن الهاتف.
ولاحظت أن مصطفى يأتي كثيرًا في أوقات غياب والدها.
لكنها لم تكن تملك دليلًا واضحًا.
حتى جاء ذلك اليوم.
دخلت الغرفة فجأة دون استئذان.
فتجمدت
في مكانها.
رأت مصطفى جالسًا مع والدتها وحدهما.
وكان المشهد كافيًا لتفهم أن هناك سرًا كبيرًا داخل البيت.
شعرت شديد.
وقالت
إذا لم يخرج الآن سأخبر أبي بكل شيء.
ارتبكت فاطمة.
وأغلقت الباب خلف ابنتها.
ثم بدأت
متابعة القراءة
2








