Uncategorized

رد الجميل

حكايات_شروق_خالد
نور قربت من الميكروفون، وصوتها كان بيترعش بس مسموع في القاعة كلها اللي فجأة ساد فيها هدوء غريب.. بدأت تقرأ السطور اللي في فواتير البنزين القديمة:
“أنا آسف يا نوح.. مش قادر أتحمل المسؤولية دي.. أنا همشي، بس مأمنك على حتة من قلبي.. البنات دول ملهومش غيرك، وأنا عارف إنك هتبقى ليهم أب أحسن مني بمليون مرة”.
الناس في القاعة بدأت تبص لبعضها وتهمس، بس نور مسكت الميكروفون بأقوى وكمّلت وهي بتبص في عيني مباشرة وسط الزحمة:
“الورقة دي سابها الشخص اللي خلّفنا.. سابنا وهرب عشان كان جبان. بس الراجل اللي ربى، الراجل اللي شال، الراجل اللي ضحى بعمره وشبابه وصحته وفلوسه عشان نكبر ونبقى واقفين على رجلينا النهاردة.. قاعد وسطكم دلوقتي”.
في اللحظة دي، فريدة شاورت عليا بإيدها وهي بتعيط وصوتها مسموع: “الراجل ده هو عمنا.. وأبونا.. وسندنا.. نوح!”.
فجأة، لقيت شاشة العرض الكبيرة اللي وراهم في الكلية بتنور، وبتعرض صور قديمة .. صور وأنا نايم على الكنبة والتلتاشر ببرونة حواليا، وصور وأنا بضفرلهم شعرهم وتطلع الضفيرة معوجة، وصور تانية في أعياد ميلادهم البسيطة اللي كنت بجمع قرش على قرش عشان أعملها لهم.. البنات كانوا مجمعين كل الذكريات دي من ورايا ومجهزين المفاجأة!
القاعة كلها وقفت.. الدكاترة، العميد، أهالي الطلبة، والطلبة نفسهم.. كلهم لفوا وبصوا عليا، وسقفة وهتاف هزوا حيطان المكان.. تصفيق حاد مكنش راضي يقف..

ملك ونور وفريدة نزلوا من على المسرح بيجروا بروب التخرج، وجوم عليا وأنا لسه على ركبي في الأرض مش قادر أقف من كتر التأثر.. رموا نفسهم في حضني وهما بيعيطوا وبيقولوا في نفس واحد: “شكراً يا بابا.. شكراً لأنك مسبتنيش”.
في اللحظة دي، وأنا حاصنهم وسط دموعي وصوت السقفة اللي مالي المكان، حسيت إن الـ 22 سنة اللي فاتوا، بكل تعبهم وشقاهم وسهرهم، رجعوا لي في ثانية واحدة.. وعرفت إن التضحية مكنتش خسارة، وإني كسبت أعظم عيلة في الدنيا.

البنات فضلو حاضنيني وسط القاعة اللي كانت بتهتف باسمي، والناس كلها واقفه بتسقف وعيونهم مليانة دموع.. الدكاترة وعميد الكلية نفسهم نزلوا من على المسرح وجوم لحد عندي.
العميد حط إيده على كتفي وهو متأثر جداً وقال في الميكروفون: “الجامعة النهاردة مش بتكرم تلاتة من المتفوقين بس.. الجامعة بتكرم الأب المثالي اللي صنع المتفوقين دول.. اتفضل معانا يا أستاذ نوح”.
البنات سندوني لحد ما وقفت على رجلي، ومسحوا دموعي، وطلعوا بيا على المسرح.. ملك روب التخرج بتاعها وحطته على كتفي، وفريدة ونور لبسوني طاقية التخرج وهما بيضحكوا من وسط دموعهم.
وقفت على المسرح والكل بيصورني، الكاميرا القديمة اللي كانت في إيدي وكنت خايف متطلعش صور حلوة، مكنتش متخيل إن صورتي أنا والبنات هي اللي هتبقى أهم صورة في اليوم ده..
لما الحفلة خلصت ورجعنا بيتنا البسيط اللي فوق محل الموان.. البيت اللي شهد على كل شقايا وتعب سنين.. البنات دخلوا الأوضة وجابوا شنطة شكلها قديم أنا عارفها كويس.. الشنطة اللي سابها أخويا زمان.
ملك قربت مني وقالتلي: “بابا.. احنا مش بس لقينا ورقة عمي القديمة.. احنا دورنا عليه وعرفنا طريقه من كام شهر”.
قلبي انقبض وحسيت بخوف رهيب.. سألتهم بصوت : “لقيتوه؟ وكلمتوه؟”
نور هزت راسها وقالت: “آه يا بابا.. كلمناه وعرفنا إنه عايش بره مصر وبقى غني جداً.. ولما عرف إننا في جامعة، عرض علينا يسفرنا عنده ويعوضنا عن كل السنين اللي فاتت بفلوس وقصور وعربيات..”.

الدموع جمدت في عيني وحسيت إن عمري كله بيتهد في لحظة.. سألتهم والخوف قالب بطني: “وهتعملوا إيه؟”
فريدة مسكت إيدي وقالتلي وهي بتبتسم: “احنا روحناله فعلاً يا بابا من وراك.. بس روحنا عشان نديله الورقة دي في إيده ونقوله كلمتين اتنين بس.. ‘احنا ماليش أب غير نوح، والفلوس متبنيش عيلة’.. وسبناه ورجعنا عشان نعملك المفاجأة دي في الحفلة قدام الدنيا كلها.. عشان نعرفه ونعرف العالم كله إن الراجل اللي شلنا واحنا لحم صغار، ميسواش ضفره ملائين الدنيا”.
في اللحظة دي، بصيت لملك وفريدة ونور.. وبصيت لروحي في المراية، وشفت الشعر الأبيض اللي مالي دقني، والكسرة اللي في ظهري من الشغل.. وضحكت من كل قلبي.
أخويا سابلي تلات بنات وهو فاكر إنه بيعاقبني أو . مكنش يعرف إنه سابلي الكنز اللي هيخليني أغنى وأسعد راجل في الدنيا.. الـ 22 سنة ممشوش هدر، أنا فعلاً خلفت، وربيت، وبقيت أحسن أب في العالم.
حكايات شروق خالد“رد الجميل على مسرح الجامعة” ج2
حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى