Uncategorized

طيارة

في نوفمبر عام 1944 أقلعت إيفلين ويتمور من مطارٍ عسكري في ولاية ديلاوير في مهـ,ـمة نقلٍ روتينية، كما أُبلغت عائلتها، لتسليم طائرة مقــ,اتلة من طراز P-47 ثندربولت إلى الساحل الغربي.

لكن الطائرة لم تصل أبدًا إلى وجهتها. وبعد ثلاثة أسابيع فقط، تلقت العائلة برقية رسمية من القوات الجوية للجيش تفيد بأن إيفلين فُقدت فوق القناة الإنجليزية أثناء رحلة متجهة إلى بريطانيا.

مقالات ذات صلة

لم يُعثر على أي حطام للطائرة، ولم تظهر أي إشارات استغــ,اثة أو شهود للحادــ,,ـث، وبسرعة صُنفت القضية على أنها حادــ,,ـث مفقود في البحر، دون مبرر لمتابعة التحقيق.

كان ابنها روبرت في الثالثة من عمره فقط عندما اختفت. كبر وهو لا يعرف ماذا حدث لأمه، ولا أين انتهت رحلتها التي لم تعد منها.

وعلى مدى ستين عامًا كاملة، ظل روبرت يبحث عن الحقيقة، يفتش في الأرشيفات العسكرية، ويرسل الرسائل إلى وزارة الحـ,رب، ويسأل كل من قد يعرف شيئًا عما جرى.

لم يتوقف أبدًا عن البحث، حتى وــ,,ـفاته عام 1998، وقد ظل السؤال نفسه يطارده طوال حياته: ماذا حدث لإيفلين ويتمور في تلك الرحلة؟

في عام 2014 ضرــ,,ـبت عاصفة شتوية عنــ,يفة غابة آردين في بلجيكا، على بُعد آلاف الأميال من القناة الإنجليزية، وأسقــ,طت الرياح أشجارًا ضخمة ظلت قائمة لعقود.

وأثناء إزالة الأشجار المتــ,ساقطة، لاحظ عمال الغابات بقايا معدن مـ,ـدفون عـ,ـميقًا تحت الأرض، وعندما بدأوا الحفر ظهرت ملامح طائرة مقــ,اتلة قديمة مدـ,ـفونة منذ زمن طويل.

كانت الطائرة من طراز P-47 ثندربولت، وقد ظل هيكلها مدـ,ـفونًا تحت سبعين عامًا من التربة والجذور، وكأن الغابة ابتلعتها ثم احتفـ,ـظت بسرها طوال تلك العقود.

عندما فحص المحققون الرقم التسلسلي للطائرة، اكتشفوا شيئًا مذهلًا: الرقم يطابق طائرة أُعلنت رسميًا أنها تحطمــ,ت في البحر فوق القناة الإنجليزية عام 1944.

لكن الدليل الأكثر غرابة كان في جسم الطائرة نفسه، إذ كان هيكلها مثقوبًا بعشرات ثقوب الر,,صاص التي تتوافق بوضوح مع نيران أرضية ألمانية مضادة للطائرات.

وعلى بُعد نحو ثلاثين مترًا فقط من الحطام، لاحظ الفريق شيئًا آخر غير متوقع: صلـ,ـيبًا بسيطًا مصنوعًا من حجارة مرتبة يدويًا فوق بقعة مرتفعة قليلًا من الأرض.

عندما بدأوا الحفر أسفل الصـ,ـليب، اكتشفوا قبــ,,ـرًا ضحلًا مدـ,ـفونًا بعناية، وكأن شخصًا ما أراد أن يدفــ,,ـن الجــ,,ـثمان باحترام، رغم ظروف الحـ,ـرب والفوضى.

داخل سترة الطيران الملفوفة حول الرفات، عثر المحققون على رسالة قديمة محفوظة بشكل مذهل، رسالة ستجبر الجيش لاحقًا على كشف برنامج سري ظل مخفيًا لعقود.

كان ذلك البرنامج عملـ,ـية سـ,ـرية أرسلت نساء أمريكيات في مهام قتالية فوق أوروبا التي احتلتها ألمانيا النازية، ثم محا وجودهن تمامًا عندما لم يعدن إلى الوطن.

بعد ثمانية عقود تقريبًا، بدأت الحقيقة أخيرًا تخرج إلى الضوء.
في صباح يوم ثلاثاء رمادي من شهر مارس، كان دانيال ويتمور يراجع ملف قضية احتيال في المشتريات داخل مكتبه، عندما رن هاتفه المكتبي فجأة.

كان دانيال يعمل في مكتب التحقيقات الخاصة التابع لســ,لاح الجو منذ ستة عشر عامًا، وقد عُرف بين زملائه بقدرته الغريبة على كشف الأشياء التي يحاول الآخرون إخفاءها.

كان يبلغ من العمر أربعة وأربعين عامًا، مطلقًا حديثًا، ويعيش حياة هادئة إلى حدٍ ما، باستثناء عمله الذي كثيرًا ما قاده إلى قصص معقدة.

عرّف المتصل نفسه بأنه العقيد ماركوس ويب من وكالة محاسبة أسرى الحرب والمفقودين التابعة لوزارة الدفاع، وكان صوته هادئًا ومتزنًا بشكل لافت.

قال الرجل عبر الهاتف:
العميل الخاص ويتمور، أتصل بشأن عملية انتــ,شال جــ,,ـثث في بلجيكا. لقد حددنا رفاتًا يبدو أنها مرتبطة بعائلتك.

كانت أول فكرة خطــ,رت ببال دانيال هي والده، روبرت ويتمور، الذي خدم في الحــ,رب الكورية وتوفي عام 1998 بعد سنوات طويلة من المرض.

لقد كان دانيال حاضرًا يوم دفــ,,ـن والده، عندما أنزلوا النعش ببطء داخل التربة الطينية في فرجينيا، وسط صمتٍ ثقيل لم ينسه أبدًا.

قال مترددًا:
أنا آسف يا سيدي العقيد… لا أفهم. كيف تم الربط بين الرفات وعائلتي؟

ساد صمت قصير على الخط، تلاه صوت أوراق تُقلب ببطء.

ثم قال ويب أخيرًا:
الرفات تعود إلى امرأة. واستنادًا إلى القطع التي عُثر عليها في الموقع، نعتقد أنها قد تكون جدتك، إيفلين ويتمور.

لم يجب دانيال فورًا.

استقر الاسم داخل ص.دره وكأنه حجر ثقيل.

لم يسمع عنها في حياته إلا مرات قليلة، فقد كان والده نادرًا ما يتحدث عنها، وكأن ذكرها يعيد فتح جر,ح قديم لم يلتئم.

كل ما بقي منها كان صورة واحدة فقط: شابة ترتدي بدلة طيران، تقف بجوار طائرة مقــ,اتلة، وشعرها الداكن مشـ,ـدود إلى الخلف وهي تحدـ,ـق في الشمس.

تابع العقيد ويب حديثه قائلًا:
هذا ما نحتاج إلى مناقشته. موقع الاستخراج يقع في غابة آردين، على بعد خمسة عشر كيلومترًا تقريبًا من الحدود الألمانية.

وأضاف:
عُثر على الرفات بجانب طائرة P-47 ثندربولت تحمل الرقم التسلسلي نفسه لطائرة أُعلن رسميًا أنها فُقدت فوق القناة الإنجليزية.

توقف لحظة ثم قال ببطء:
هناك بعض التناقضات التي نحاول فهمها.

كان دانيال يعرف هذه الكلمة جيدًا.

في عالم التحقيقات، كلمة تناقضات تعني دائمًا شيئًا واحدًا:
هناك قصة قيلت للعالم… لكنها ليست الحقيقة.

رفع عينيه نحو النافذة الرمادية وقال بهدوء:

سأكون على متن الرحلة التالية.

في تلك الليلة جلس دانيال على أرضية شــ,قته، محاطًا بصناديق كرتونية تركها له والده بعد وــ,,ـفاته، وكانت مليئة بوثائق قديمة تراكمت خلال سنوات طويلة من البحث.

كان معظم الصناديق يحتوي على أوراق روتينية وفواتير قديمة، لكن الصندوق الرابع كان مختلفًا تمامًا، فقد امتلأ بمراسلات تعود لعقود طويلة من محاولات البحث عن الحقيقة.

كانت هناك رسائل إلى وزارة الحرب تعود إلى عام 1952، وطلبات رسمية بموجب قانون حرية المعلومات، واستفسارات موجهة إلى الأرشيف الوطني ووكالة البحوث التاريخية التابعة للقوات الجوية.

وجميع تلك الرسائل كانت تدور حول سؤال واحد فقط، سؤال كرره والده عشرات المرات عبر السنين، وكأنه يرفض الاستسلام للصمت الرسمي.

ماذا حدث لإيفلين ويتمور؟

لكن الردود التي وصلته عبر العقود كانت متشابهة بشكل مريب، وكأنها نُسخت من نموذج واحد ثم أُرسلت مرارًا.

لم تكن هناك سجلات إضافية متاحة. تم التحقيق في الحادــ,,ـث سابقًا. لا يوجد ما يستدعي اتخاذ أي إجراءات أخرى.

عثر دانيال على الصورة قرب قاع الصندوق، وكأنها كانت آخر ما احتفظ به والده من تلك القصة.

في الصورة كانت إيفلين تقف بجوار طائرة مقــ,اتلة من طراز P-47 ثندربولت، ترتدي بدلة الطيران، وشعرها الداكن مثبت للخلف بينما تحدق بثقة نحو الشمس.

أسفل الصورة كانت هناك قصاصة صحفية قديمة مؤرخة في يونيو عام 1943.

ذكرت صحيفة هاريسبرج كورير أن إيفلين ويتمور، البالغة من العمر أربعة وعشرين عامًا، قد انضمت إلى وحدة تدريب الطيران النسائية في قاعدة أفينجر الجوية بولاية تكساس.

ونقلت الصحيفة عنها جملة قصيرة قالتها بابتسامة أمام الصحفيين:

عندما عاد إلى الولايات المتحدة، قدم طلبًا للحصول على الملف العسكري الرسمي الخاص بإيفلين ويتمور.

كان الملف نحيفًا بشكل غريب.

إحدى عشرة صفحة فقط.

تضمن طلب التحاقها بوحدة تدريب الطيران النسائية المؤرخ في أبريل 1943، والذي أشار إلى امتلاكها 340 ساعة طيران مدني قبل انضمامها للبرنامج.

تخرجت في سبتمبر من العام نفسه، وكانت من أوائل دفعتها، كما تأهلت لقيادة الطائرات المقا,,تلة.

وخلال عام 1944 كُلفت بنقل طائرات P-47 ثندربولت بين القواعد العسكرية.

أما الوثيقة الأخيرة في الملف فكانت تقرير خــ,سائر مؤرخًا في الثالث من ديسمبر 1944.

وجاء فيه أن الطائرة فُقدت أثناء رحلة نقل بالعبّارة، ويُفترض أنها سقــ,طت فوق الماء، على الأرجح في القناة الإنجليزية.

لكن دانيال لاحظ شيئًا واضحًا فور قراءته التقرير.

المسار المذكور في الوثيقة كان مستحيلاً.

فرحلة نقل الطائرات من ديلاوير إلى كاليفورنيا لا يمكن أن تقترب من القناة الإنجليزية.

بدأ دانيال البحث في السجلات الأرشيفية المرتبطة بعمليات WASP أواخر عام 1944. في اليوم الثاني عثر على نموذج طلب توظيف مؤرخ في سبتمبر 1944 يطلب طيّارات مؤهلات لقيادة طائرات المطاردة.

الطلب كان صادراً من فرع العمليات الخاصة التابع لمكتب الخدمات الاستراتيجية، ويشير بوضوح إلى مهام خاصة غير محددة، تتطلب طيارات يتمتعن بمهارة عالية واستعداد لتنفيذ عـ,ـمليات شديدة السرية والخطورة.

كانت هناك مذكرة قصيرة مكتوبة بخط اليد ومرفقة بالطلب، تحتوي على خمسة أسماء فقط. عندما مرّ دانيال بعينيه عليها ببطء، توقّف فجأة عند الاسم الثالث: إيفلين ويتمور.

شعر بشيء يشبه الارتجاف في ص.دره. بدأ فوراً بمقارنة الأسماء الأربعة الأخرى بالسجلات العسكرية، محاولاً فهم سبب وجود جدته ضمن هذه القائمة الغامضة.

مارغريت إليسون قُــ,تلت في حادــ,,ـث تدريب في ميدان أفينجر في أكتوبر 1944، بينما اختفت دوروثي برينان أثناء عبورها بطائرة فوق خليج المكسيك في نوفمبر من العام نفسه.

أما روث كارفر فقُتلت في حادــ,,ـث هبوط بقاعدة نيوكاسل الجوية التابعة للجيش، أيضاً في نوفمبر 1944، في حين فُقدت فرانسيس دال أثناء عبورها بطائرة نقل في ديسمبر.

خمس نساء. جميعهن طيّارات مقاتلات مؤهلات. جرى تجنيدهن في سبتمبر 1944، وجميعهن توفين أو اختفين خلال أربعة أشهر فقط من تاريخ التجنيد.

لم يكن ذلك مجرد مصادفة عابرة. كان هناك نمط واضح يتكرر أمام عيني دانـ,ـيال، نمط يوحي بأن شيئاً ما قد حدث بالفعل… شيئاً لم يُكتب في السجلات الرسمية.

قرر التواصل مع الدكتورة كاثرين شو، المؤرخة في جامعة تكساس للنساء، والمتخصصة في دراسة تاريخ طيّارات WASP والملفات الغامضة المرتبطة بمهام النساء في الحرب العالمية الثانية.

أقرت شو فوراً بوجود فجوات طويلة في السجلات، وقالت إن هناك شـ,ـائعات قديمة تتحدث عن تجنيد بعض الطيارات لمهام سـ,ـرية لم يتم الاعتراف بها رسمياً.

ثم أضافت بعد لحظة صمت:
كان هناك رجل في مكتب الخدمات الاستراتيجية يدعى ويليام برايس، تواصل معنا قبل سنوات بخصوص ضــ,حايا لم تُنشر أسماؤهم.

لكنها أكملت بصوت منخفض:
بعد تلك المكالمة… رفض الحديث مرة أخرى تماماً.

دوّن دانيال الاسم في دفتر ملاحظاته، وأغلق الملف ببطء. بعد أسبوعين فقط، كان على متن طائرة متجهة إلى بلجيكا، مصمماً على معرفة من دفــ,,ـن جدته.

هناك، تعرّف على الرقيب فونتين، الذي قاده إلى قرية صغيرة قريبة من موقع التحطم. في تلك القرية كان يعيش رجل مسن يبلغ من العمر ستة وثمانين عاماً.

كان اسمه هنري كارون.

جلس الرجل العجوز أمام دانيال طويلاً قبل أن يتكلم. ثم قال أخيراً بصوت هادئ، كأنه يسترجع ذكرى قديمة دفــ,,ـنها الزمن.

قال ببساطة:
لقد وجدها والدي.

في أواخر نوفمبر 1944، سمع والد كارون، وكان عضواً في المقاومة البلجيكية، صوت طائرة وهي تتقطع في السماء قبل أن تســ,قط في الغابة القريبة.

بعد حلول الظلام، خرج مع رجلين آخرين من أفراد المقاومة، وساروا بحذر داخل الغابة حتى وصلوا إلى موقع التحــ,طم.

هناك، في منطقة مفتوحة بين الأشجار، وجدوا طائرة من طراز P-47 محطمة.

قال كارون وهو ينظر إلى الأرض:
لكن الطائرة لم تكن الشيء الوحيد هناك.

كانت امرأة تجلس على بعد ثلاثين متراً من الحطام، مستندة إلى جذع شجرة. كان على سترتها دم واضح. كانت مصــ,ابة بجر,,وح خطيرة.

لكنها كانت قد مــ,اتت بالفعل.

قال كارون بصوت منخفض:
كانت تمسك قلماً بيدها… وكانت هناك ورقة فوق حجرها.

توقف لحظة ثم أكمل:
كانت رسالة… موجهة إلى طفل.

دفــ,,ـنها والده ورفيقاه في المكان نفسه، ملفوفة بسترة الطيران الخاصة بها، ووضعوا حجارة فوق القبــ,,ـر ليعرفوا مكانه لاحقاً.

كانوا ينوون إبلاغ السلطات بعد تحرير المنطقة. لكن بعد أسابيع فقط بدأ هجوم الأردين، وتحوّل كل شيء إلى فوضى جديدة.

قُتل أحد رجال المقاومة، وأُسر الآخر. أما والد كارون فأصيب بجروح خطيرة ونُقل إلى المستشفى، ولم يعد أبداً إلى تلك الغابة.

بعد الحرب، عاد مرة واحدة فقط إلى المنطقة الخالية، لكنه لم يبلغ السلطات مطلقاً بما حدث.

قبل أن يغادر دانيال منزل الرجل العجوز، نهض كارون ببطء وسلّمه صندوقاً صغيراً احتفظت به عائلته لعقود طويلة.

في الداخل كانت هناك بوصلة عسكرية بزجاج متصدع.

وعلى جانبها حروف محفورة بوضوح:
EMW.

عاد دانيال إلى فندقه في تلك الليلة، وأغلق الباب خلفه بهدوء، ثم جلس على السرير وفتح الرسالة التي كُتبت قبل أكثر من ثمانين عاماً.

كان تاريخها: 20 نوفمبر 1944.

بدأت الرسالة بكلمات بسيطة لكنها ثقيلة:

يا ولدي الحبيب، لا أعرف إن كنت ستقرأ هذا يوماً ما.

اعتذرت لأنها قد لا تكون موجودة لترى كيف يكبر. ثم كتبت شيئاً جعل دانيال يتوقف عن التنفس للحظة.

لقد حلّقت يا روبرت. حلّقت فعلاً.

لم يكن الأمر مجرد نقل طائرات من قاعدة إلى أخرى. لقد حلّقت في مهمات حقيقية… مهمات قــ,تالية ضد العدو.

كتبت أنها لا تستطيع كشف التفاصيل. لقد وعدت بذلك.

لكنها أضافت جملة أخرى.

كنا خمس نساء فقط. خمس نساء طُلب منهن القيام بشيء خـ,طير، شيء سري، شيء لن يعترف به أحد أبداً.

ثم كتبت ببساطة:

وقلنا جميعاً نعم.

اعترفت أنها اختارت القتال لأسباب كثيرة؛ قليل من الكبرياء، قليل من الواجب، لكن السبب الأكبر… كان هو.

ابنها.

ثم كتبت السطر الأخير:

لا تدعهم يقولون لك إنني كنت مجرد طيّارة عبّارة. لا تدعهم يمحون ما فعلته. لقد حلّقت… لقد قاتلت… وكان لي دور.

أنهت الرسالة بكلمة واحدة فقط.

حب.

جلس دانيال في الغرفة صامتاً طويلاً.

ثم انفجر باكياً.

أمضى والده ستين عاماً يبحث عن تلك الكلمات. ستة عقود كاملة من الأسئلة والطرق المغلقة. كانت الرسالة مدفونة في تراب بلجيكا طوال ذلك الوقت… لكنها وصلت أخيراً، بعد فوات الأوان.

عاد دانيال إلى الأرشيف هذه المرة بتركيز مختلف تماماً. لم يعد يبحث عن احتمال. كان يبحث عن الحقيقة التي أخفوها عمداً لعقود طويلة.

بعد ثلاثة أيام من التفتيش بين الفهارس المرفوعة عنها السرية، عثر أخيراً على مدخل صغير يحمل عنواناً واحداً: عملية نايتنجيل.

امتدت العملية من سبتمبر 1944 حتى ديسمبر 1944. كانت معظم التفاصيل محجوبة بالكامل؛ أسماء الأفراد، الهدف، حتى التقارير التشغيلية اختفت تقريباً.

الاسم الوحيد الظاهر في الملف كان ضابطاً مسؤولاً عن العملية:
الرائد أ. هوليس.

بحث دانيال عنه سريعاً. توفي آرثر هوليس عام 1987، لكن أوراقه الشخصية حُفظت في أرشيف خاص بمدينة الإسكندرية بولاية فيرجينيا.

حجز دانيال موعداً فوراً.

داخل أحد الملفات التي تحمل عنوان موظفو نايتنجيل، وجد خمس صور مثبتة على صفحة واحدة. نظر إليها طويلاً قبل أن تتوقف عيناه.

كانت إيفلين.

الثالثة من اليسار.

شعر بشيء ينهار داخله.

احتوت الوثائق على مذكرة سرية تسمح بتجنيد طيارات لعملية نايتنجيل. كانت شروط الاختيار واضحة: تأهيل لقيادة طائرات المطاردة، وعدم وجود معالين من الدرجة الأولى.

كانوا يبحثون عن طيارات يمكن التضحية بهن.

في ملاحظات مكتوبة بخط اليد، شرح هوليس الفكرة بوضوح صادم. طيارات ينفذن مهام قتالية سرية فوق أوروبا المحتلة.

كان يُعتقد أن مشغلي الرادار الألمان قد يخطئون في تحديد هويتهن، وأن أصوات النساء عبر اللاسلكي قد تخلق ارتباكاً في الاتصالات.

لكن الأهم كان شيئاً آخر.

إذا تم أسرهن… يمكن إنكار وجودهن تماماً.

تم نقل النساء سراً إلى إنجلترا، ثم إلى مطار سري داخل فرنسا المحررة. هناك، قُدِّمت لهن طائرات P-47 بلا أي علامات تعريف.

كانت مهمتهن اعتراض قوافل الإمداد الألمانية، ومحاولة تعطيل خطوط تموين صواريخ V-2 التي كانت تسقط على المدن الأوروبية.

سجلات المهمة أظهرت طلعات جوية عديدة خلال أكتوبر ونوفمبر 1944.

ثم جاء السطر الذي كان دانيال يخشاه.

في 20 نوفمبر 1944، أبلغت طائرة نايتنجيل 3 — ويتمور عن تعرض محركها لأضــ,رار بسبب نيران أرضية أثناء مهاجمة قافلة ألمانية قرب فيلسالم.

أعلنت أنها ستحاول الهبوط اضطــ,رارياً.

لم يتم الاتصال بها بعد ذلك أبداً.

بعد أقل من شهر، ص.درت مذكرة بتاريخ 15 ديسمبر 1944 تأمر بإنهاء عملية نايتنجيل بالكامل.

أُغلقت جميع ملفات الأفراد.

تم إتلاف السجلات التشغيلية أو نقلها إلى أرشيفات سرية.

أما الطيارات اللاتي لم يعدن… فقد أُدرجت وــ,,ـفاتهن رسمياً كحــ,وادث تدريب أو خــ,سائر في عمليات نقل الطائرات.

ولم يُسمح بأي عمليات استعادة للجــ,,ـثث.

جلس دانيال طويلاً أمام الصفحة.

أدرك الحقيقة أخيراً.

لقد كانوا يعرفون أين سقطت.

لكنهم اختاروا ألا يبحثوا.

عندما رفع عينيه أخيراً، لاحظ رجلاً يجلس في الجانب الآخر من غرفة القراءة. كان يرتدي بدلة رمادية ويبدو كأنه يراقبه منذ فترة.

أغلق الملف ببطء.

ثم غادر دون أن يواجهه.

لم يعد بحاجة لذلك.

بدأ البحث عن اسم آخر ورد في مذكرات هوليس: العقيد ب.

بعد مراجعة قوائم ضباط مكتب الخدمات الاستراتيجية، انحصرت الاحتمالات في ثلاثة أسماء فقط.

اثنان منهما توفيا منذ سنوات طويلة.

أما الثالث… فكان لا يزال حياً.

ويليام برايس.
أربعة وتسعون عاماً.

كان يعيش في مجمع تقاعدي بمدينة فيرفاكس بولاية فيرجينيا.

قاد دانيال سيارته إلى هناك في صباح بارد. داخل غرفة هادئة بجوار النافذة، جلس رجل نحيف لكنه يقظ العينين.

كان ويليام برايس.

نظر إليه الرجل العجوز قبل أن يتكلم.

قال بهدوء:
كنت أتساءل متى ستأتي.

تجمد دانيال لحظة.

سأله:
هل تعرف من أنا؟

أجاب برايس دون تردد.

أنا أعرف من كانت جدتك.

جلس دانيال أمامه ببطء.

قال:
أخبرني عن عملية نايتنجيل.

شرح برايس أن الرائد هوليس اقترح استخدام طيارات في مهام يمكن إنكارها رسمياً. وقد وافق برايس على الفكرة ورفع التوصية إلى القيادة العليا.

ثم قال بهدوء بارد:

لقد فهمن المخاطر منذ البداية.

إذا تم القبــ,,ـض عليهن… فلن نعترف بهن.

سأله دانيال بصوت خافت:

هل كنّ يعرفن أن عائلاتهن ستعيش على الكذب؟

أجاب برايس:

نعم.

أخبره دانيال عن ستين عاماً من البحث الذي قضاه والده وهو يحاول معرفة الحقيقة.

تنهد برايس قليلاً.

قال:

لقد كنت أحمي المهمة.

لو اكتشف الكونغرس أننا نرسل نساء إلى قتال غير مصرح به… ربما كان مكتب الخدمات الاستراتيجية سيُغلق بالكامل.

نظر إليه دانيال بحدة.

كان بإمكانكم البحث عنها.

رد برايس:

بعد ثلاثة أسابيع بدأت معركة الثغرة.

أجابه دانيال فوراً:

لكن كان هناك ثلاثة أسابيع قبلها.

صمت الرجل العجوز.

ثم قال أخيراً:

تم اتخاذ قرار بتقليل خسائرنا.

سأل دانيال:

بواسطة من؟

بعد صمت طويل، قال برايس الاسم أخيراً.

الجنرال ريتشارد هارتويل.

كان نائب مدير العمليات الخاصة.

توفي هارتويل عام 1991، وكانت معظم سجلاته لا تزال مصنفة حتى اليوم.

قبل أن يغادر، قال برايس جملة أخيرة:

بعض الأبواب… ليس من المفترض أن تُفتح.

لكن دانيال غادر عازماً على فتحها كلها.

قدم طلبات متعددة بموجب قانون حرية المعلومات، وتواصل مع مؤرخين وموظفين سابقين في وكالة المخابرات المركزية.

تم تأخير معظم الطلبات.

ورُفض بعضها تماماً.

لكن الدكتورة مارغريت تشين، وهي مؤرخة متقاعدة من الوكالة، وافقت على مساعدته.

أخبرته أن بعض وثائق هارتويل سُمح بنشرها منذ سنوات، لكنها لم تُنقل قط من أحد المستودعات الأرشيفية في ولاية ماريلاند.

بعد أسابيع من الإجراءات، حصل دانيال على ثلاث صناديق أرشيفية كاملة.

في أحد المجلدات كان العنوان واضحاً:

التقييم النهائي لمهمة نايتنجيل.

كتب هارتويل أن العملية نفذت ثلاثاً وعشرين مهمة ناجحة خلال ثلاثة أشهر فقط.

ثم كتب سطراً واحداً آخر.

نسبة الخسائر: 100%.

أوصى بإغلاق العملية فوراً، وإخفاء السجلات، وتقديم قصص تغطية للعائلات، وإنكار المعرفة في حال ظهور أي استفسارات رسمية.

في سجل استخبارات الإشارات، وجد دانيال آخر إرسال لاسلكي من إيفلين.

كان مؤرخاً في 20 نوفمبر 1944.

قرأ الكلمات ببطء.

المحرك يتعطل.
أنا أسقط.

ثم الجملة الأخيرة.

أخبروا ابني أنني أحبه.

بعد يومين فقط، ص.درت مذكرة أخرى ترفض طلباً لإرسال فريق لاستعادة الجــ,,ـثث.

السبب كان بسيطاً.

الوضع التكتيكي لا يسمح بتحويل الموارد.
كشف أصول نايتنجيل قد يهدد الأمن.

لا حاجة لاتخاذ أي إجراء إضافي.

أغلق دانيال الملف ببطء.

الحقيقة أصبحت واضحة تماماً.

كان بإمكانهم البحث عنها.

لكنهم اختاروا ألا يفعلوا.

قام بتصوير كل وثيقة.

ثم أرسل رسالة قصيرة إلى صحفي في صحيفة واشنطن بوست.

كتب:

لدي وثائق عن عملية سرية من الحرب العالمية الثانية تتعلق بطيارات مقاتلات تم إخفاء قصتهن لعقود.

أنا مستعد للإدلاء بشهادتي علناً.

وصل الرد بعد دقائق فقط.

متى يمكننا أن نلتقي؟

كتب دانيال كلمة واحدة.

غداً.

انتشر الخبر صباح يوم ثلاثاء من أكتوبر. وعلى مدى ثلاثة أشهر كاملة، عمل دانيال مع الصحفية سارة كيسلر للتحقق من الوثائق، واستشارة المؤرخين، ومراجعة المخاطر القانونية قبل نشر القصة.

تصدّر العنوان الصفحة الأولى:
برنامج سري من الحرب العالمية الثانية أرسل نساءً إلى القتال… ثم محاهن من السجلات.

ظهرت خمس صور أسفل العنوان مباشرة.
كانت إيفلين في المنتصف.

سردت المقالة تفاصيل عملية نايتنجيل، وتجنيد خمس طيارات لمهام قتالية يمكن إنكارها رسميًا، مع تزوير تقارير الإصابات، وإخفاء السجلات عمدًا لأكثر من سبعين عامًا كاملة.

كما وصفت بدقة موقع التحطم في بلجيكا، والرسالة التي عُثر عليها مدفونة بين الأشجار في الغابة، الرسالة التي انتظرت عقودًا طويلة قبل أن يقرأها أحد.

بدأ هاتف دانيال بالرنين في السادسة صباحًا.

وفي غضون ساعات قليلة، تناقلت وسائل الإعلام الرئيسية الخبر. وطالبت منظمات المحاربين القدامى بمساءلة رسمية، بينما أص.در سلاح الجو بيانًا يعترف بتناقضات محتملة في السجلات التاريخية.

لكن القصة لم تتلاشَ.

بعد ثلاثة أيام فقط، تلقت غرفة الأخبار اتصالًا من باتريشيا برينان كويل، امرأة في الثانية والسبعين من عمرها، تحمل سؤالًا ظل عالقًا في عائلتها منذ الحرب.

قالت إن جدتها، دوروثي برينان، أُدرجت ضمن المفقودين فوق خليج المكسيك في نوفمبر 1944.

سألت بصوت مرتجف:
هل هذا صحيح؟ هل كانت جدتي طيارة مقاتلة؟

أجابها دانيال بهدوء:
نعم… كانت كذلك.

خلال أسبوع واحد، بدأ أحفاد الطيارات الخمس اللواتي قدن طائرات نايتنجيل بالاتصال به. وتعارفوا معًا للمرة الأولى رغم أن قصص عائلاتهم كانت متشابهة بشكل مدهش.

شكلوا ائتلافًا صغيرًا.
استعانوا بمحامين.
وقدموا شكاوى رسمية إلى وزارة الدفاع مطالبين بالاعتراف الكامل.

بعد أسبوعين، حضر دانيال اجتماعًا رسميًا في البنتاغون مع ممثلين عن العائلات. وعلى الجانب الآخر من الطاولة جلس العميد هاريسون بوجه متجهم.

بدأ حديثه باعتذار رسمي عن الألم الذي تسبب فيه هذا الكشف للعائلات.

ثم عرض دانيال مطالبهم بوضوح: رفع الســ,رية الكاملة عن سجلات عملية نايتنجيل، والاعتراف الرسمي بالنساء كمحاربات قديمات، وإقامة جنازات عسكرية مع تكريم كامل.

كما طالبوا أيضًا باعتذار علني رسمي من القوات الجوية.

استمع هاريسون بصمت طويل.

ثم قال أخيرًا:
سأعرض الأمر على الوزير.

وبعد أسابيع قليلة، وافقت القوات الجوية على المطالب.

عاد دانيال لزيارة ويليام برايس مرة أخرى.

قال برايس بهدوء:
لقد شاهدت الأخبار… لقد جعلتهم يستمعون أخيرًا.

أجابه دانيال:
ســ,لاح الجو سيكرّم نايتنجيل رسميًا. سيكون هناك إفصاح كامل، وتكريم عسكري، واعــ,تذار علني.

أومأ برايس برأسه ببطء شديد.

وقال بصوت مثقل:
لقد فكرت في هؤلاء النساء كل يوم منذ عام 1944. قلت لنفسي إن الســ,رية كانت ضرورية… لكنني كنت أعلم أننا كنا مخطئين.

قال دانيال:
والدي مات دون أن يعرف الحقيقة.

أغمض برايس عينيه للحظة.

وقال بصوت خافت:
أنا آسف.

أخبره دانيال عن الرسالة التي كتبتها إيفلين.

وقال:
والدي لم يقرأها أبدًا. وصلت بعد فوات الأوان.

لم يجد برايس أي رد.

قال دانيال أخيرًا:
الجنازة بعد ثلاثة أسابيع في مقبــ,,ـرة أرلينغتون الوطنية… وأنت غير مدعو.

تركه جالسًا في صمت ثقيل.

استغرقت الاستعدادات أسابيع من الإجراءات الإدارية. جرى التعرف رسميًا على رفات إيفلين، وتم تعديل السجلات العسكرية، بينما تولت العائلات الأخرى تنسيق مراسم الدفــ,,ـن.

في الليلة التي سبقت الجنازة، جلس دانيال مع رسائل والده القديمة.

وفي قاع الصندوق، وجد بطاقة معايدة مؤرخة عام 1952.

كان روبرت في الحادية عشرة من عمره عندما كتبها:
عيد ميلاد سعيد في الجنة. أفتقدك. أتمنى أن تراني من هناك.

أشرقت شمس صباح الجنازة باردة ومشرقة فوق مقبــ,,ـرة أرلينغتون الوطنية.

كان قبــ,,ـر إيفلين في القسم 60.

وقف حرس الشرف في وضعية انتباه، بينما وصلت عائلات الطيارات الأخريات، وسافر هنري كارون خصيصًا من بلجيكا لحضور المراسم.

تحدث وزير القوات الجوية أمام الحضور.

وقال:
كانت إيفلين ويتمور رائدة شجاعة. تطوعت لمهمة خطيرة وهي تدرك المخاطر. ضحت بحياتها من أجل وطنها… لكن وطنها خذلها.

ثم أضاف:
,,واليوم، نبدأ في تصحيح هذا الخطأ.

وقدّم اعتذارًا رسميًا لعائلات الطيارات.

صعد دانيال إلى المنصة حاملاً نسخة من رسالة إيفلين.

وقال للحضور:
والدي لم يتلقَّ هذه الرسالة أبدًا. لقد مات دون أن يعرف أن أمه كانت طيارة مقــ,اتلة.

ثم قرأ كلماتها بصوت مرتجف.

يا ولدي الحبيب… لا تدعهم يقولون إنني كنت مجرد طيارة عبّارات. لقد حلّقت. لقد قــ,اتلت. لقد كان لوجودي معنى.

وعندما انتهى من القراءة، قال بهدوء:

إنها في المنزل الآن يا أبي… لقد أحضرتها إلى المنزل.

أطلق حرس الشرف ثلاث طل,قات في السماء.

وترددت نغمات الحداد عبر التلال الص,,امتة.

ثم طُوي العلم الأمريكي بعناية، وسُلّم إلى دانيال.

أُنزل النعش ببطء إلى الأرض.

بعد انتهاء المراسم، بقي دانيال وحيدًا عند القبــ,,ـر.

وضع الصورة التي احتفظ بها والده بجانب الشاهد المؤقت، ثم غرس لوحة تعريف كلب روبرت ويتمور في التراب الطري.

وقال بهدوء:
أنتما معًا الآن.

سيُكتب على شاهد القبــ,,ـر:

إيفلين مارغريت ويتمور
طيارة في سلاح الجو النسائي
مكتب الخدمات الاستراتيجية
عملية نايتنجيل
1918 — 1944

لقد حلّقت.
لقد قاتلت.
وكان لوجودها معنى.

عاد دانيال إلى العمل صباح الاثنين التالي.

كانت قضايا الاحتيال وتحقيقات سوء السلوك تنتظره على مكتبه.

علق صورة إيفلين على الحائط بجوار بوصلتها القديمة.

استغرق التحقيق قرابة عام كامل.

لم يُعد إيفلين إلى الحياة.

ولم يعوض السنوات التي فقدها روبرت ويتمور.

والرجال الذين أمروا بالتستر كانوا قد مــ,اتوا منذ زمن.

لكن خمس نساء استعدن أسماءهن.

وخمس عائلات حصلت على الإجابات التي انتظرتها عقودًا.

وخمس قبور أصبحت شاهدًا على الحقيقة.

فتح دانيال ملف قضية جديد.

وخلفه على الحائط، ظلت صورة إيفلين ثابتة.

امرأة حلّقت.

امرأة قاتلت.

امرأة كان لوجودها أثر.

وامرأة… عادت إلى الوطن أخيرًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى