
تخيّل أنك طيار مقاىل تحلق على ارتفاع آلاف الأقدام، وفجأة تتعطل طائرتك وتضطر للقفز بالمظلة في منطقة نائية لا تعرف فيها أحداً، ولا تفهم لغة سكانها. كيف ستثبت لهم أنك لست عدواً؟ هنا يأتي دور “بطاقة الذم” (Blood Chit)، ذلك السرّ الصغير المطرز على سترات الطيارين الأمريكيين، والذي أنقذ حياة المئات عبر العقود. في هذا المقال، نروي لك القصة الكاملة لهذه القطعة القماشية العجيبة.
-
يحدث الانمنذ 6 ساعات
-
سر ثمين داخل بيت الأسد..منذ 6 ساعات
-
اخر تصريحات هاني شاكر …منذ 6 ساعات
-
نست انها ابنت ترامبمنذ 6 ساعات
ما هي “بطاقة الذم” (Blood Chit)؟
“بطاقة الذم” أو “Blood Chit” هي قطعة قماش صغيرة، غالباً ما تكون من الحرير، تُخاط في الملابس الخارجية للطيارين العسكريين، خاصة الأمريكيين. وظيفتها شبيهة بـ”رسالة نجاة” أو “بطاقة تعريف طارئة”. تُكتب عليها رسائل بعدة لغات توضح للقرويين أو المدنيين المحليين أن حامل هذه البطاقة هو طيار صديق جاء لمساعدتهم، ويطلب منهم إيوائه وإعادته إلى قواعده مقابل مكافأة مالية. كلمة “Chit” مأخوذة من اللغة الهندية القديمة (الهندوستانية) وتعني “ورقة صغيرة” أو “ملاحظة”.
القصة الحقيقية: كيف بدأت الفكرة؟
يعتقد الكثيرون أن فكرة “بطاقة الذم” بدأت مع “النسور الطائرة” (Flying Tigers) في الصين، لكن الحقيقة أقدم من ذلك. يعود أول استخدام معروف لها إلى عام 1793! حينها، كان الفرنسي “جان بيير بلانشار” يعرض منطاده الهوائي في أمريكا، وكان لا يتحدث الإنجليزية. خشي الرئيس الأمريكي جورج واشنطن أن يُساء فهم الرجل الفرنسي إذا هبط في منطقة ريفية، فكتب له رسالة باللغة الإنجليزية يطلب فيها من المواطنين الأمريكيين مساعدته للعودة سالماً.
لكن الاستخدام المنظم والواسع لهذه البطاقات بدأ فعلياً في الحرب العالمية الثانية، خاصة في مسرح العمليات الآسيوي.
أسطورة “النسور الطائرة” في الصين
عندما تطوع الطيارون الأمريكيون للقىال إلى جانب الصين ضد اليابان ضمن وحدة “النسور الطائرة” (Flying Tigers)، واجهوا مشكلة كبيرة: الحواجز اللغوية والثقافية. في عام 1941، أثناء رحلة من ميانمار إلى الصين، اضطرت ثلاث طائرات للهبوط الاضطراري بسبب الضباب ونفاد الوقود. نجا الطيارون، لكنهم هبطوا في مناطق نائية لا يتحدث سكانها سوى اللهجات المحلية. ظنّ القرويون أنهم يابانيون، وكادوا يقىلونهم لولا أن أحد الطيارين استخدم أسطوانة أسطوانات (جرامافون) كان يحملها على متن طائرته وشغّل موسيقى صينية ليُثبت أنهم قادمون من بلاد بعيدة وليسوا يابانيين.
هذه الحاذثة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. قرر المنظمون تزويد كل طيار بقطعة قماش من الحرير تُخاط على ظهر سترته، مكتوب عليها باللغة الصينية: “هذا الشخص الأجنبي جاء إلى الصين للمساعدة في المجهود الحربي. أيها الجنود والمدنيون، يجب عليكم إنقاذه وحمايته وتقديم الرعاية الطبية له”. وقد وعدت الحكومة الصينية بمكافأة قدرها 100,000 دولار (بقيمة ذلك الزمن) لمن يُعيد طياراً أمريكياً سالماً.
ماذا كانت تُكتب على هذه البطاقات؟
لم تكن الرسالة موحدة، بل تختلف حسب المنطقة واللغة. في آسيا، كانت تُكتب بالصينية واليابانية والبورمية والتايلاندية وغيرها. نص شائع في الصين كان: “أنا طيار أمريكي. طائرتي ذمّرت. لا أتكلم لغتكم. أنا عدو اليابانيين. أرجو إطعامي وأخذي إلى أقرب موقع للحلفاء. سوف تُكافأون”.
في أوروبا، كانت تُطبع بخمسين لغة مختلفة، وتحمل وعداً رسمياً من الحكومة الأمريكية بمكافأة مالية لمن يساعد الطيار. كما كانت تُضاف إليها أحياناً أعلام صغيرة أو أختام رسمية (مثل ختم السفير الصيني في واشنطن) لضمان مصداقيتها.
تطور بطاقة الذم: من الباردة إلى اليوم
لم تنتهِ قصة “بطاقة الذم” مع نهاية العالمية الثانية. بل استمر استخدامها وتطويرها. في الباردة، وخاصة أثناء أزىمة الواريخ الكوبية والعمليات في أمريكا اللاتينية، زُوّد الطيارون ببطاقات متعددة اللغات (إسبانية، برتغالية، فرنسية). وفي فيتنام، طُبعت بطاقات بلغات شعوب جنوب شرق آسيا، وأضيفت إليها خرائط قماشية ومصطلحات بسيطة. ولا تزال تُستخدم حتى اليوم، ولكن بأشكال أكثر تطوراً، مثل الألواح البلاستيكية المطبوعة أو المعلومات الرقمية المخزنة في أجهزة النجاة.
لماذا سميت “بطاقة الذم”؟








